التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٨ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
ثمّ أخذ في تبيين موارد قيل فيها بالمجاز و الاستعارة، و لكنّها في نظره من الاستعمال في القدر المشترك، الذي هو حقيقة في الجميع.
من ذلك قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ[١] حسبوا أنّ اللباس هنا استعارة من لبس الثياب، قال: «غير أنّ اللباس اسم عامّ لما يتلبّس بالشيء و يغشّيه، سواء أكان من نوع الثياب أو غيره، كما في قوله تعالى: وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً[٢]، هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَ[٣] .. فالجوع و الخوف يشمل ألمهما شراشر وجود الإنسان، نفسه و بدنه و جميع أعضائه، و هكذا الليل يغشّي بظلامه ..
و الزوجان يختلطان فيغشّي بعضهما البعض .. فاللباس اسم لمّا يغشّي الشيء و يختلط به اختلاطا شاملا .. و هذا عامّ في كلّ هذه الموارد من قبيل الكلّي المتواطئ، و إن شئت فقل: الكلّي المشكّك أحيانا»[٤].
و منه أيضا في المشهور قوله تعالى: وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ[٥]، قالوا فيها بمجاز الحذف، أي: اسأل أهلها! لكنّ القرية اسم للحال و المحلّ معا، فقد يطلق و يراد به المحلّ و هي الدور و المزارع، و ربّما يراد به السكّان، كما هنا، فلا مجاز[٦].
و بهذه الطريقة أنكر وجود المجاز في القرآن، و زعم أنّه الأصل الذي جرى عليه الصحابة و التابعون! قال: «و قد عدلت المرجئة في هذا الأصل، عن بيان الكتاب و السنّة، و اعتمدوا على رأيهم، و على ما تأوّلوه بفهمهم. و هذه طريقة أهل البدع- و قد قال الإمام أحمد: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل و القياس- و لهذا تجد
[١] . النحل ١٦: ١١٢.
[٢] . النبأ ٧٨: ١٠.
[٣] . البقرة ٢: ١٨٧.
[٤] . تفسير القاسمي ١: ١٤٨.
[٥] . يوسف ١٢: ٨٢.
[٦] . المصدر: ١٥٠- ١٥١.