التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٧ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
طيره و هفا حلمه، و قد طاش و قاره .. فإذا قيل: قد خفض جناحه، فإنّ المراد به وصف الإنسان بلين الكنف و الكظم عند الغضب، و ذلك ضدّ وصفه بطيرة المغضب و نزوة المتوثّب ..»[١].
و قال في قوله تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ..[٢]: «هذه استعارة عجيبة و عبارة شريفة، و المراد بذلك الإخبات للوالدين، و إلانة القول لهما، و الرفق و اللطف بهما. و خفض الجناح في كلامهم عبارة عن الخضوع و التذلّل، و هما ضدّ العلوّ و التعزّز؛ إذ كان الطائر إنّما يخفض جناحه إذا ترك الطيران، و الطيران هو العلوّ و الارتفاع، و قد يستعار ذلك لفرط الغضب و الاشتطاط ..».
ثم قال: «و إنّما قال تعالى: وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ .. ليبيّن أنّ سبب الذلّ هو الرحمة و الرأفة، لئلّا يقدّر أنّه الهوان و الضراعة! و هذا من الأغراض الشريفة و الأسرار اللطيفة ..»[٣].
نعم، حاول أهل الجمود الفكري- مبلغ جهدهم الضئيل- أن يحطّوا من عظمة بلاغة القرآن، و ينزلوا به إلى مرتبة أدون كلام، فيخلعوا عنه كلّ براعة و بداعة في مجال الإفادة و البيان، لكنّهم كما قال المتنبّي:
|
و النجم تستصغر الأبصار رؤيته |
و الذنب للطرف لا في النجم في الصغر |
|
إنّهم عجزوا عن إدراك فضيلة الكلام، حيث أعشى بصرهم روعتها! و من ثمّ تجاهلوها و تغافلوا عنها، و كما قال الآخر:
|
النجم فوق السماء ليس بذي صغر |
و إن رأته عيون الناس في صغر |
|
[١] . تلخيص البيان في مجازات القرآن: ١٠٣ رقم ٢٤٢.
[٢] . الإسراء ١٧: ٢٤.
[٣] . تلخيص البيان: ١١٤- ١١٥ رقم ٢٦١.