التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧١ - الكهانة في مجال التأويل
و عمدة الكلام: أنّ الكهّان كانت لهم لغة خاصّة، تمتاز بتسجيع و ترصيع و ترصيف خاصّ، يعرف بسجع الكهّان، فيه من التعقيد و الغموض الشيء الأوفر، و هو بيت القصيد.
و لعلّهم كانوا يتوخّون ذلك للتمويه على الناس بعبارات تحتمل غير وجه، كما يفعل بعض مشايخ التنجيم في هذه الأيّام، حتّى إذا لم يصدق تكهّنهم جعلوا السبب قصور الناس في فهم النصّ؟!
و من أمثلة سجع الكهّان ما يروونه عن «طريفة» كاهنة اليمن، حين خاف أهل مأرب سيل العرم، و عليهم مزيقياء عمرو بن عامر، فإنّها قالت لهم: «لا تؤمّوا مكة حتّى أقول، و ما علّمني ما أقول إلّا الحكم المحكّم، ربّ جميع الأمم، من عرب و عجم». قالوا لها: ما شأنك يا طريفة؟! قالت: «خذوا البعير الشذقم، فخضّبوه بالدم، تكن لكم أرض جرهم، جيران بيته المحرّم»[١].
و من أشهر كهّان العرب سطيح الغسّاني أكهن الناس، فقد كان أنذر لسيل العرم.
قيل من كهانته: تعبيره لرؤيا رآها كسرى فهالته، و كتب إلى عامله بالحيرة أن يوجّه إليه رجلا من علمائهم من أصحاب العلم بالحدثان، فبعث إليه عبد مسيح بن نفيلة الغسّاني فأخبره كسرى بالخبر، فعجز عن الإجابة، و عرض عليه أن يوجّهه إلى خاله سطيح بالشام فجهّزه، و أتاه و كان محتضرا، فأخبره برؤيا الملك كسرى، فرفع سطيح رأسه و قال: أيا عبد المسيح! على جمل مشيح (أي سريع) أقبل على طيح، و قد وافى على الضريح (أي القبر، كناية عن قرب احتضاره). بعثك ملك ساسان، لارتجاج الأيوان، و خمود النيران، و رؤيا المؤبذان: رأى إبلا صعابا، تقود خيلا عرابا، حتّى اقتحمت الواد و انتشرت في البلاد.
أيا عبد المسيح! إذا ظهرت التلاوة (تلاوة نصّ الوحي أي القرآن) و ظهر صاحب
[١] . الأغاني ١٣: ١١٠، و انظر تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ١: ٢١٠- ٢١٢.