التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٧٠ - الكهانة في مجال التأويل
استخدام الجنّ لمعرفة الأمور المغيّبة، فكان إذا ناب أحدهم أمر يريد معرفة دخيلته أو مستقبله منه، ذهب إلى الكاهن أو العرّيف ليخبره بما يهمّه منه. و كان لكلّ كاهن صاحب من الجنّ- فيما زعموا- يحضر إليه فيخبره بما يريد!
و الكهانة و العرافة، لفظان لمفهوم واحد. و فرّق بعضهم بينهما بأنّ الكهانة علاج ما سيحدث من أمر خطير، و العرافة علاج حادث راهن. و على كلّ حال فالمراد بهما التنبّؤ و استطلاع الغيب، و كانت القبائل المتوحّشة تعتقد في الكهّان القدرة على كلّ شيء، و يحيطون بهم هالة من القداسة الدينيّة، باعتبارهم المراجع في مهامّ الأمور سواء المحسوس منها أم المغيّبات.
فكانوا يستشيرونهم في حوائجهم، و يتقاضون إليهم في خصوماتهم، و يستطبّونهم في علاج أمراضهم، و يستفشونهم فيما أشكل عليهم من مخارج الأمور، كما كانوا يستفسرون منهم عن رؤاهم، و يستنبئونهم عن المستقبل و ما سيؤول إليه أمرهم في منطلق الزمان.
و بالجملة، فالكهّان عندهم هم أهل العلم و الفلسفة، و الطبّ و القضاء و الدين، شأن جميع الطبقات من الأمم القديمة، في كلّ أرجاء العالم القديم.
كانوا يعتقدون في الكهنة العلم بكلّ شيء، و أنّ ذلك يأتيهم بواسطة الأرواح، إن خيّرة أو شرّيرة، و كان عبدة الأصنام- و هي عادة متفشّية عند القبائل المتوحّشة- يعتقدون حلول الأرواح في الأصنام و أنّها تبيح أسرار الطبيعة للكهّان و السّدنة، فتقول: إنّ الأصنام تدخلها الجنّ و تخاطب الكهّان، و أنّ الكاهن يأتيه الجنّي بخبر السماء، و ربّما عبّروا عنه بالهاتف (عند العرب)، فكلّ ما يصنعه الكاهن إنّما مصدره الغيب. فإذا استطبّه مريض من ألم أو صداع عالجه بالرقى، و إذا استشاره في معضلة خطّ له في الرمل أو نفث في العقد، و إذا تحاكمه متخاصمان رمى لهما بالقداح، و إذا استطلعه شخص أخذ قمقما جعله بين يديه و نفث فيه، و نحو ذلك من الحركات الوهميّة، و إذا استفسره من رؤيا تمتم و تظاهر باستطلاع الغيب.