التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٦ - الفائدة و الهدف المرجو من هذا البحث و منهجه
فليس فيهم الآن من هو من نسل إبراهيم و سلالته المدعوّة، و لكنّهم و بلا استثناء أتباع و موال، و يا ليتهم حتّى آمنوا بما نزل عليهم، فبعد مقتل يحيى و رفع عيسى إلى السماء، انتهت السلالة الطاهرة إلى الأبد من نسل يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، لتنتقل النبوّة إلى البيت الإسماعيلي، و إلى حفيده محمّد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه و اله خاتم الأنبياء و المرسلين. و برسالة الإسلام تكون نهاية رحلة الكفاح الذي لا نظير له لأبي الأنبياء إبراهيم من أجل إعلاء كلمة اللّه.
و عودا إلى الموضوع الأساسيّ للسورة، ألا و هو القصّة الحقيقيّة للمسيح: فكما عرضنا فيما سبق ولد المسيح بمعجزة لا تتكرّر، و لكن رغم ولادته بدون أب، إلّا أنّه أنطق بالحقيقة و هو ما زال في المهد:
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* وَ جَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَ بَرًّا بِوالِدَتِي وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا* وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا* ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ.
فرغم ولادته عليه السّلام بهذه المعجزة، فهذا لا يجعل منه إلها أو ابن إله، و تصديقا لذلك نرى في ختام السورة القول الفصل في هذا الموضوع:
وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا* تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا* أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً* وَ ما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً* إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً.
فكلّ مخلوقات اللّه، حتّى و لو كانوا الملائكة أنفسهم، عبيد للّه، و ليسوا أبناءه و أندادا له جلّ و علا، و من يقول مثل هذا الشرك الفظيع يعلمه اللّه و يتوعّده: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَ عَدَّهُمْ عَدًّا* وَ كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً.
و ما أبلغ القول القرآني في سورة النساء: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً