التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - شبهات النفاة
قال: «و أمّا دلالة قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا على التسليم المحض، فهو لا ينافي العلم، فإنّهم إنّما سلّموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم؛ لعلمهم باتّفاقه مع المحكم، فهم لرسوخهم في العلم، و وقوفهم على حقّ اليقين، لا يضطربون و لا يتزعزعون، بل يؤمنون بهذا و بذاك على حدّ سواء؛ لأنّ كلّا منهما من عند اللّه ربّنا، و لا غرو، فالجاهل في اضطراب دائم، و الراسخ في العلم في ثبات لازم، و من اطّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري، فهو يعرف الحقّ بذاته، و يرجع كلّ قول إليه، قائلا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا»[١].
و هذا يعني أنّ المتشابه متشابه في بدء النظر، سواء لدى العالم أم العامي، غير أنّ الجاهل القاصر يقتنع بظاهر اللفظ و لا يتجاوزه، و ربّما يزلّ به التعبير فيذهب به الوهم مذاهب بعيدة. أمّا العالم المتعمّق فيتصبّر و يتدبّر ليتكشّف عن واقع الأمر، حيث يرى أنّه كلام حكيم لا يهذو في كلامه[٢]، فلا بدّ أنّ وراء هذا الظاهر المريب حقيقة عصماء خفي وجهها، فيجدّ و يجتهد في الأمر حتّى يتحقّق و يتذوّق حلاوته، و من جدّ وجد، و من لجّ ولج وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ[٣].
و هذا النجاح و الفلاح إنّما نالهم بفضل إيمانهم القويم أوّلا، حيث ثبتوا على العقيدة بأنّ كلام الحكيم حكيم، لا يسفه و لا ينطق بعبث. و لرسوخهم في العلم و تثبّتهم في الأمر، و بذل الجهد في سبيل معرفة الحقيقة ثانيا، و من اطّلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري.
و الباحث الصادق لا يضطرب أمام المتشابه اضطراب الجاهل الذي وضع إيمانه على حرف، فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ
[١] . تفسير المنار ٣: ١٦٧.
[٢] . يقال: هذى في كلامه، أي: تكلّم بغير معقول لسهو أو غفلة.
[٣] . العنكبوت ٢٩: ٦٩.