التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٩ - الحروف المقطعة في مختلف الروايات
و قال أبو روق: إنّها تكتب للكفّار، و ذلك أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله كان يجهر بالقراءة في الصلوات كلّها، و كان المشركون يقولون: لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَ الْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ. فربّما صفّقوا و ربّما صفّروا و ربّما لغطوا؛ ليغلّطوا النبيّ صلّى اللّه عليه و اله، فلمّا رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله ذلك أسرّ في الظهر و العصر و جهر في سائرها، و كانوا يضايقونه و يؤذونه، فأنزل اللّه تعالى هذه الحروف المقطّعة، فلمّا سمعوها بقوا متحيّرين متفكّرين، فاشتغلوا بذلك عن إيذائه و تغليطه، فكان ذلك سببا لاستماعهم و طريقا إلى انتفاعهم.
و قال الأخفش: إنّما أقسم اللّه بالحروف المعجمة، لشرفها و فضلها، و لأنّها مباني كتبه المنزلة بالألسن المختلفة، و مباني أسمائه الحسنى و صفاته العليا، و أصول كلام الأمم بما يتعارفون و يذكرون اللّه و يوحّدونه، و كأنّه أقسم بهذه الحروف أنّ القرآن كتابه، و كلامه لا ريب فيه.
و قال النقيب: هي النبهة و الاستئناف؛ ليعلم أنّ الكلام الأوّل قد انقطع، كقولك:
و لا، إنّ زيدا ذهب.
و أحسن الأقاويل فيه و أمتنها، أنّها إظهار لإعجاز القرآن و صدق محمد صلّى اللّه عليه و اله؛ و ذلك أنّ كلّ حرف منه، من هذه الحروف الثمانية و العشرين[١].
و العرب تعبّر ببعض الشيء عن كلّه، كقوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ[٢] أي: صلّوا لا يصلّون.
و قوله: وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ[٣] فعبّر بالركوع و السجود عن الصلاة إذ كانا من أركانها.
[١] . في العبارة تشويش ظاهر، و لعلّ الأصل: أنّ القرآن الذي عجزتم عن الإتيان بمثله مؤلّف من هذه الحروف الثمانية و العشرين التي تعرفونها. فجاء بنصف حروف التهجّي و هي بعضها؛ اكتفاء بالبعض عن الكلّ.
[٢] . المرسلات ٧٧: ٤٨.
[٣] . العلق ٩٦: ١٩.