التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٨١ - التأويل في مصطلح الآخرين
يفسّر به[١]- قال: «ليس في كتب التفسير المتداولة ما يروي الغليل في هذه المسألة، و كان كلام الأستاذ الإمام خير ما ذكروه، و لكنّي راجعت كلاما لابن تيميّة في المتشابه و التأويل، فرأيته في منتهى التحقيق و العرفان و البيان الذي ليس وراءه بيان، قال:
و إنّنا نبيّن ذلك بالإطناب الذي يحتمله المقام، مستمدّين من كلام هذا الحبر العظيم»[٢].
و لعلّه إطراء مبالغ فيه؛ نظرا لأنّ غاية ما جاء به شيخ حرّان أن خلط بين أمر التأويل الذي هو نوع تفسير، و أمر المصداق الذي هو تبيين للمنطبق عليه الكلام، أخذا بمفهوم التأويل اللغوي (ما يؤول إليه الشيء و ينطبق عليه)، و هذا غير التأويل الذي يبتغيه أهل الزيغ للتحريف بالكلام، أنّهم يتتبّعون المتشابه من الآيات بغية تحريفها و تفسيرها حيث تسوق بهم الأهواء، و ليسوا وراء العثور على المصاديق التي هي أعيان الموجودات!!
و سوف نناقش مواضع هذا الخلط، و نبيّن كيف حصل الاشتباه، و من أين أتتهم الغفوة عن صحوة نداء القرآن؟!
أمّا سيّدنا العلّامة الطباطبائي فإنّ له كلاما حول مسألة التأويل قد يقرب من اختيار ابن تيميّة من جهة، لكنّه يفارقه من جهة أخرى.
إنّه رحمه اللّه تعرّض لكلامه، فوافقه من جهة و خالفه من جهة أخرى، وافقه من جهة
[١] . بناء على فرض المتشابه في القرآن ما استأثر اللّه بعلمه من أحوال الآخرة، فكان ورود مثل هذا المتشابه في القرآن ضروريا، لأنّ من أركان الدين و مقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و اله من ذلك على أنّه من الغيب، كما نؤمن بالملائكة و الجنّ، و نقول: إنّه لا يعلم من تأويل ذلك، أي حقيقة ما تؤول إليه هذه الألفاظ، إلّا اللّه. و الراسخون في العلم و غيرهم في هذا سواء، و إنّما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحسّ و العقل، فيقفون عند حدّهم، و لا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب، لأنّهم يعلمون أنّه لا مجال لحسّهم و لا لعقلهم فيه، و إنّما سبيله التسليم، فيقولون: آمنّا به كلّ من عند ربّنا. و من الشواهد على أنّ التأويل هنا بمعنى ما يؤول إليه الشيء و ينطبق عليه، لا بمعنى ما يفسّر به، قوله تعالى: يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الأعراف ٧: ٥٢ راجع: تفسير المنار ٣: ١٦٧.
[٢] . تفسير المنار ٣: ١٧٢- ١٩٦.