التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٢٩ - المجاز في القرآن و مدى صلته بمسألة التأويل
الوجوب في شيء.
قال: «و حكم التمثيل[١] و الاستعارة سواء، فإنّك إذا قلت: أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى، فأوجبت له الصورة التي يقطع معها بالتحيّر و التردّد، كان أبلغ لا محالة من أن تجري على الظاهر، فتقول: قد جعلت تتردّد في أمرك. فأنت كمن يقول: أخرج و لا أخرج، فيقدّم رجلا و يؤخّر أخرى ..»[٢].
و هكذا استعارات القرآن فائقة الجمال، بالغة الكمال، لا غموض فيها و لا تعقيد في البيان، لائحة المفاد، واضحة المراد، و هي إن دلّت فإنّما تدلّ على حقائق راهنة، تحتضنها دقائق تعابير رائعة. فإن كان هناك تخييل أو تمثيل، فإنّما هو في أساليب الأداء، لا في المؤدّيات و هي أعيان ثابتة في عرصات الوجود.
انظر إلى هذا التعبير الرائع: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَ تَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ[٣].
هذا من أروع و أبدع أنواع الاستعارة التخييليّة، حيث شبّهت جهنّم بذي جشع نهم، رحب البلعوم، مندحق البطن، يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد»[٤] و هو من أدقّ التشبيه و أظرفه.
قال الزمخشري: «و سؤال جهنّم و جوابها من باب التخييل الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب و تثبيته ..».
قال: «و فيه معنيان، أحدهما: أنّها تمتلئ مع اتّساعها و تباعد أطرافها، حتّى
[١] . التمثيل: التشبيه في صورة جمل، كقولك: أراك تقدّم رجلا و تؤخّر أخرى، تمثيل لمن كان يتردّد في أمر، يفعله أو لا يفعله.
[٢] . دلائل الإعجاز: ٤٨ و ٥٠.
[٣] . ق ٥٠: ٣٠.
[٤] . حسبما جاء في كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام في النهج: ٩٢ خ ٥٧. و رحب البلعوم: أي واسعه، و مندحق البطن: أي عظيم البطن بارزه، كأنّه لعظمه مندلق من بدنه يكاد يبين عنه. و أصل اندحق: بمعنى انزلق.