التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٠ - نظرة في صفات الذات
و ينطلق شليرماخر لوضع قواعد الفهم من تصوّره لجانبي النصّ: اللغوي و النفسي يحتاج المفسّر للنفاذ إلى معنى النصّ إلى موهبتين: الموهبة اللغويّة، و القدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشريّة، و هل يوجد ثمّة قواعد لكيفيّة تحقيق ذلك[١]؟
هناك إذن في أيّ نصّ جانبان: جانب موضوعيّ يشير إلى اللغة، و هو المشترك الذي يجعل عمليّة الفهم ممكنة، و جانب ذاتيّ يشير إلى فكر المؤلّف، و يتجلّى في استخدامه الخاصّ للّغة. و هذان الجانبان يشيران إلى تجربة المؤلّف التي يسعى القارئ إلى إعادة بنائها، بغية فهم المؤلّف أو فهم تجربته.
هذان الجانبان- الموضوعي و الذاتي، أو اللغوي و النفسي- بفرعيهما التاريخي و التنبؤي[٢]، يمثّلان القواعد الأساسية، و الصيغة المحدّدة لفنّ التأويل عند «شليرماخر»، و بدونهما لا يمكن تجنّب سوء الفهم.
نعم، إنّ مهمّة الهرمنيوطيقا هي فهم النصّ كما فهمه مؤلّفه، بل حتّى أحسن ممّا فهمه مبدعه[٣].
و بذلك حاول «شليرماخر» أن يجعل من الهرمنيوطيقا «فنّا» مستقلّا بذاته عن أيّ مجال. فإنّ كلاسيكيّته تتبدّى في حرصه على وضع قوانين و معايير لعمليّة الفهم، و من ثمّ لعمليّة تفسير النصوص. إنّه يحاول أن يتجنّب «سوء الفهم المبدئي» في أيّ عمليّة تفسير.
[١] . الأمر الذي أجاب عليها علماء الأصول إجابة إثباتيّة منذ أمد بعيد، كما عرفت.
[٢] . حيث المفسّر قد يبدأ بالجانب اللغوي و يقوم بعمليّة إعادة بناء تاريخيّة للنصّ، و هي تعتدّ بكيفيّة تصرّف النصّ في كلّية اللغة، و تعتبر المعرفة المتضمّنة في النصّ نتاجا للّغة. و لهذه البداية جانب آخر، و هو إعادة البناء التنبّؤي الموضوعي، و هي تحدّد كيفيّة تطوير النصّ نفسه للّغة.
و كذا البدء بالجانب الذاتي له جانبان: الأوّل هو إعادة البناء الذاتي التاريخي، و هو يعتدّ بالنصّ باعتباره نتاجا للنفس. أمّا الجانب الآخر و هو الذاتي التنبّؤي فهو يحدّد كيف تؤثّر عمليّة الكتابة في أفكار المؤلّف الداخلية.
( المصدر السابق: ٢١- ٢٢).
[٣] . و هو واضع اللغة، أو العرف الذي تعارف استعمال النصّ.