التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦١ - نظرة في صفات الذات
و لكنّه في هذه المحاولة لتجنّب «سوء الفهم» يطالب المفسّر- مهما كانت الهوّة التاريخيّة التي تفصل بينه و بين النصّ- أن يتباعد عن ذاته و عن أفقه التاريخيّ الراهن؛ ليفهم النصّ فهما موضوعيّا تاريخيّا. إنّه يطالب المفسّر- أوّلا- أن يساوي نفسه بالمؤلّف، و أن يحلّ مكانه عن طريق إعادة البناء الذاتي و الموضوعي لتجربة المؤلّف من خلال النصّ. و رغم استحالة هذه المساواة من الوجهة المعرفيّة، فإنّ شليرماخر يعتبرها الأساس الأصلي للفهم الصحيح.
و من ثمّ نغمة رومانسيّة تغلف كلاسيكيّة شليرماخر، تتجلّى في اعتباره النصّ تعبيرا عن نفس المؤلّف، و في مطالبته المفسّر أن يكون ذا طاقة تنبّؤيّة، إلى جانب معرفته باللغة، حتّى يمكنه اكتشاف الجوانب المتعدّدة للنصّ. و بهذه الطاقة التنبّؤيّة يسعى الإنسان لفهم الكاتب إلى درجة أن يحوّل نفسه تماما إليه، أي يكون هو الكاتب!
هذا هو المنهج الذي رسمه شليرماخر لإمكان فهم النصّ، على ما أراده المؤلّف إرادة جدّ، وراء دلالة النصّ الظاهريّة. و بذلك كان شليرماخر ممهّدا لمن جاء بعده، خاصة «ويلثي» و «جادامر».
إذ بدأ ديلثي ممّا انتهى إليه شليرماخر من البحث عن تفسير و فهم صحيحين في مجال العلوم الإنسانية، بينما بدأ جادامر من معضلة سوء الفهم المبدئي التي حاول شليرماخر- في تأويليّته- أن يتجنّبها. و بهذا يعدّ شليرماخر- بحقّ- أبا للهرمنيوطيقة الحديثة، و للمفكّرين الذين جاءوا بعده، سواء بدأوا من موضع الاتّفاق أم من موضع الاختلاف معه[١].
و يتلخّص الهرمنيوطيقا في أنّ لفهم النصّ عن طريق التأويل و الاجتهاد، في سبيل العثور على مغزاه و البلوغ إلى قصواه، ضوابط و أصولا ينبغي مراعاتها، ليكون الفهم صحيحا و مقبولا إلى حدّ ما.
[١] . المصدر السابق: ٢٣- ٢٤.