التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢ - من ذا يعلم التأويل؟
و إشارة إلى ما استعدّوا للاهتداء به إلى تأويله، و هو تجرّد العقل عن غواشي الحسّ»[١].
و قال الإمام بدر الدين الزركشي: «إنّ اللّه لم ينزل شيئا من القرآن إلّا لينتفع به عباده، و ليدلّ به على معنى أراده، و لا يسوغ لأحد أن يقول: إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله لم يعلم المتشابه، فإذا جاز أن يعرفه الرسول، مع قوله: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ جاز أن يعرفه الربّانيون من صحابته و المفسّرون من أمّته. ألا ترى أنّ ابن عبّاس كان يقول:
أنا من الراسخين في العلم، و لو لم يكن للراسخين في العلم حظّ من المتشابه إلّا أن يقولوا: آمنّا، لم يكن لهم فضل على الجاهل؛ لأنّ الكلّ قائلون ذلك».
و قال: «و نحن لم نر المفسّرين إلى هذه الغاية توقّفوا عن شيء من القرآن، فقالوا:
هذا متشابه لا يعلم تأويله إلّا اللّه، بل أمرّوه على التفسير حتّى فسّروا الحروف المقطّعة»[٢].
و هذا شيخ المفسّرين الفطاحل الشيخ أبو علي الطبرسي يرجّح الكفّة مع القائلين بالعطف، قائلا: «و ممّا يؤيّد هذا القول أنّ الصحابة و التابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، و لم نرهم توقّفوا على شيء منه لم يفسّروه، بأن قالوا: هذا متشابه لا يعلمه إلّا اللّه ...»[٣].
و هكذا رجّح ذلك جهابذة الأدب؛ كالزمخشري و ابن قتيبة و العكبري و الشريف المرتضى و غيرهم من الأعلام[٤].
و لابن تيميّة هنا كلام عريض، أكّد فيه على ضرورة العلم بجميع ما أنزله اللّه في
[١] . أنوار التنزيل ٢: ٥.
[٢] . البرهان في علوم القرآن ٢: ٧٢- ٧٣.
[٣] . مجمع البيان ٢: ٤١٠.
[٤] . راجع الكشاف ١: ٣٣٨، و تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: ٧٢، و إملاء ما منّ به الرحمان للعكبري ١: ١٢٤، و الأمالي للمرتضى ١: ٤٣١- ٤٤٢ المجلس ٣٣.