التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٣ - حديث عجيب عن روعة بلاغة الآية!
هو عنده أصحّ و أفصح؛ و عنده: أنّ ما كان أبعد من المجاز كان أدخل في الإعجاز!!»[١].
قلت: و هكذا صاحبنا الشنقيطي، حاول إبعاد الآية عن إرادة المجاز، و حملها على الحقيقة، و أنّ الجمادات لها شعور و إحساس، كما كان لها تسبيح وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ[٢]، فيمكن أن تكون لها إرادة و اختيار، و قد كان تعالى يعلّم للجمادات ما لا نعلمه.
و استشهد بحنين الجذع[٣]، و تسليم الحجر[٤] و غير ذلك. قال: «و أمثال هذا كثير، فلا مانع من أن يعلم اللّه من ذلك الجدار إرادة الانقضاض»[٥].
انظر إلى هذا التكلّف و التمحّل الباهت؛ كيف تنزّل بالآية الكريمة من أفقها البلاغي الأعلى، إلى هذه المرتبة العامّيّة السفلى.
فها هو عالج الآية بما لديه من مزاعم، فيا ترى ماذا يصنع بنظائرها من كلام العرب الفصيح، أفهل كانوا يرون للجمادات شعورا و إرادة، أم كانوا بارعين في انتهاج أبدع الأساليب في الإفادة و البيان؟!
و أغرب من ذلك تمحّله في تأويل كثير من الآيات، و فيها من أنواع الكناية و الاستعارة و المجاز الشيء الوفير، فتمحّل فيها بالقول بأنّها أساليب كلاميّة رصينة خارجة عن إطار المجاز؟! يا للّه، أيّ أسلوب هو؟ و ما هو مصطلحه، إن لم يكن من أساليب المجاز؟!
[١] . الكشّاف ٢: ٧٣٧- ٧٣٩.
[٢] . الإسراء ١٧: ٤٤.
[٣] . أخرج الخبر البخاري: حديث( ٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥)، و النسائي ٣: ١٠٢، و أحمد ٣: ٢٩٣، ٢٩٥، ٣٠٦، ٣٢٤، و البيهقي في دلائل النبوّة ٢: ٥٥٦، ٥٦٠، ٥٦١، ٥٦٢ و ٦: ٦٦.
[٤] . أخرج الخبر البخاري: حديث( ٣٥٨٣)، و أحمد ٢: ١٠٩، و البيهقي في الدلائل ٢: ٥٥٦، ٥٥٨.
[٥] . منع جواز المجاز في القرآن: ٤٩.