التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٨ - نظرة في صفات الذات
و تتزايد المعضلة تعقيدا إذا تساءلنا عن علاقة ثلاثيّة (المؤلّف- النصّ- الناقد) بالواقع الذي تتمّ فيه عمليّتا الإبداع و التفسير. و تزداد حدّة التعقيد إذا كان النصّ ينتمي إلى زمن مغاير و واقع مختلف لزمن التفسير و واقعه، أي إذا كان المؤلّف و الناقد ينتميان إلى عصرين مختلفين، و واقعين متمايزين[١].
غير أنّ هذا الإنكار لا يعود إلى محصّل، بعد أن علمنا أنّ الألفاظ و الكلمات هي أدوات آليّة، يستخدمها المؤلّف لإبداء مقاصده حسبما تعارفه عرفه الخاصّ. و بذلك تبدو العلاقة القائمة بين المؤلّف و النصّ علاقة مباشرة، نظير العلاقة القائمة بين العامل و الأداة التي يستخدمها في إنجاز عمله، فكلّ أثر تتركه الأداة، إنّما هو أثر مباشر نشأ عن قصد العامل بالذات، و لكن عبر الأداة.
أمّا دور الناقد أو المفسّر فهو دور كاشف، يسعى وراء الكشف عن قصد المؤلّف الذي أوفاه عبر النصّ (الألفاظ و الكلمات)، و لا شأن له في تفسير النصّ سوى ما عثر عليه من شواهد و دلائل تهديه إلى مدلول النصّ، حسب الأوضاع و الأحوال المكتنفة به حين الصدور محضا.
و عليه، فإنّ الناقد البصير إنّما يحاول أن يجعل نفسه في بحبوحة من تلك الشرائط و الأحوال، و ليتمكّن من خلالها الغور إلى أعماق فكرة المؤلّف، حسبما مهّدته له مناسباته الخاصّة و عرفه الخاصّ.
يقول الأستاذ أبو زيد: «لقد حاولت نظريّة الأدب- في مسار تطوّرها التاريخي- أن تعالج جوانب مختلفة من هذه المعضلة، و توقّفت كلّ نظريّة- في إطار ظروفها التاريخيّة- عند جانب أو أكثر من هذه الجوانب، مؤكّدة أهمّيته على حساب الجوانب الأخرى .. و استعراض سريع لهذه النظريّات يؤكّد أنّ جانب علاقة النصّ بالمفسّر ظلّ جانبا مهملا، أو غائما في أحسن الأحوال ..
[١] . أبو زيد، إشكاليات القراءة و آليات التأويل: ١٥- ١٧.