التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥١ - الفائدة و الهدف المرجو من هذا البحث و منهجه
٥- في الآيات السالفة تبدو توسّلاته و تضرّعاته إلى اللّه و كأنّها لا تختلف كثيرا عن تضرّعات أيّ إنسان آخر محروم من الولد الذي يحمل اسمه من بعده.
٦- لكن الحال هنا- و إلى هنا- يختلف بالنسبة للنبيّ زكريّا، فهو لا يطمع في الولد ليس فقط ليرثه، و لكنّه- و هذا هو الفرق بينه و بين الإنسان العادي في مثل هذا الموقف- لا يريد فقط وريثا له، بل وريثا للنبوّة من بعده، و قد جعلها اللّه ميراثا في سلالة إبراهيم، و وعده بها، و اللّه يوفي بوعده لعبده إبراهيم يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ.
و الملاحظة المنطقيّة هنا، و التي تفرض نفسها هي و بحقّ: أنّه لو لم يكن الموضوع مهمّا، بل على درجة عالية من الخطورة، ما كان سيّدنا زكريّا يصيبه الهمّ إلى ذلك الحدّ، فخوفه على النبوّة و امتدادها، جعله يتوجّه إلى اللّه عزّ و جلّ بأن يعطيه وريثا يرثه و يرث من بعده النبوّة، نبوّة آل يعقوب.
و لنا هنا أيضا ملاحظات:
١- وراثة النبوّة ليست مستحقّة لكلّ من هبّ و دبّ، و لكنّها هبة توهب لمن يستحقّها، و من يستحقّها يهتمّ لها، و تكون شغله الشاغل، كشغل زكريّا عليها و على مستقبلها.
٢- أنّ الأمم يشرّفها اللّه بأن يهبها النبوّة، و يفضّلها ببعث نبيّ فيهم، فإن غضب اللّه على هذه الأمّة سلبها النبوّة.
٣- الموالي و الأتباع الذين قصدهم النبيّ زكريّا هم بلا شكّ اليهود، و كان زكريّا يخشى على النبوّة منهم وَ إِنِّي خِفْتُ الْمَوالِيَ مِنْ وَرائِي.
٤- كان هؤلاء الموالي على درجة ضعيفة من الإيمان، و يمثّلون خطورة على النبوّة من بعد موته، أو أنّه كان يخشى عليهم أن يضلّوا ضلالا بعيدا لو انقطعت النبوّة فيهم.