التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧١ - هي مفهومات عامة مستخرجة من بطون الآيات!
كان قويّا بالغا رشده، و قد آتاه اللّه حكما (بصيرة نافذة يفصل بها بين السليم و الزائف) و علما (معرفة كاملة بحقائق الأمور و ميزها عن السفاسف) فقد وجد من نفسه مكتملا جامعا بين قوة البدن و قدرة العلم و الإيمان وَ زادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ.
و هكذا وجد موسى نفسه قويا مقتدرا حيث ما شاء اللّه، فهبّ يشكر ربّه على وفور هذه النعم و الآلاء، فكانت صيغة الشكر بهذا النمط الجميل الرزين: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ.
و هذا تعهّد منه أن يبذل كلّ طاقاته في سبيل رضا مولاه، محاذرا أن يقع شيء من طاقاته موضع أطماع أهل البغي و الإجرام، فيستغلوه في سبيل مصالحهم، الإجرامية، و في سبيل الاستكبار.
و في هذه تذكار لأصحاب القدر العلميّة، و ليحذروا استرخاصها من قبل أهل المطامع، فيستثمرونها لغايات هي وبال على العامّة، و على عكس رضا اللّه تعالى، و ليعلموا أنّ ما لديهم من طاقات علميّة جبارة فإنّما هي نعم أنعم اللّه عليهم بفضله على الناس، مصداقا لقوله تعالى: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ...[١] حيث أمكنه- و هو مثال الإنسانية مع الأبد- الاستطلاع على أسرار الطبيعة الكامنة، و كشفها و استثمارها في سبيل عمارة الأرض هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها[٢]، و بذلك جعله خليفته في الأرض، ينشئ و يبدع و يتصرّف في مناحي الأرض و السماء بما شاء وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ[٣].
[١] . البقرة ٢: ٣١.
[٢] . هود ١١: ٦١.
[٣] . الجاثية ٤٥: ١٣.