التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٣ - هي مفهومات عامة مستخرجة من بطون الآيات!
بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ تابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ[١].
هذه الآية و آيات سبقتها جاءت لتعليم المسلمين جانبا خطيرا من أدب المعاشرة، فلا يتناجوا بالإثم و العدوان و معصية الرسول، و أن يفسحوا في المجالس، و إذا قيل لهم: انشزوا، فلينشزوا، و أخيرا: إذا رغبوا في مساءلة الرسول فليقدّموا بين يدي نجواهم صدقة، الأمر الذي تعرّضت له هذه الآية، لكنّ إيجاب الصدقة نسخ بعد فترة قصيرة، و لم يعمل بها سوى الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام، فكانت مفخرة له و فضيلة سجّلها التاريخ.
تلك كانت قضيّة شخصيّة و وقتيّة محضة حسب ظاهر التنزيل، و هل هناك في طيّها رسالة عامّة تشمل الأجيال و الأعصار؟
نعم، يبدو من ظاهر الآية أنّه كان هناك تزاحم على الخلوة برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، ليتحدّث معه كلّ فرد في شأن يخصّه، ليأخذ فيه توجيهه و رأيه، أو ليستمع بالانفراد به، مع عدم التقدير لمهامّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله الجماعيّة، و مدى قيمة وقته، و عدم الشعور بجدّيّة الخلوة به، و أنّها لا تكون إلّا لأمر ذي بال. فشاء اللّه أن ينبّههم على هذه المعاني بتقرير ضريبة للجماعة- من مال الذي يريد أن يخلو برسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله، و يقتطع من وقته الذي هو من حقّ الجماعة- في صورة صدقة يقدّمها قبل أن يطلب المناجاة و الخلوة.
فقد كانت الغاية التي تستهدفها الآية هي إفهام المؤمنين هذه المعاني، فليلتزموا برعاية الأدب بين يدي الرسول صلّى اللّه عليه و اله، فلا يزاحموه بكثرة التساؤل فيما لا شأن له في مهامّ الأمور.
هذا و قد تنبّه المسلمون بفرطهم في الأمر، و تقصيرهم بحقّ الرسول- و هو الزعيم
[١] . المجادلة ٥٨: ١٢- ١٣.