التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٦ - التفسير بالرأي
و قال بعض العلماء: إنّ التفسير موقوف على السماع، للأمر بردّه إلى اللّه و الرسول[١].
قال: و هذا فاسد؛ لأنّ النهي عن تفسير القرآن لا يخلو: إمّا أن يكون المراد به الاقتصار على النقل و السماع و ترك الاستنباط، أو المراد به أمرا آخر، و باطل أن يكون المراد به أن لا يتكلّم أحد في القرآن إلّا بما سمعه، فإنّ الصحابة قد قرأوا القرآن و اختلفوا في تفسيره على وجوه، و ليس كلّ ما قالوه سمعوه من النبي صلّى اللّه عليه و اله، و قد دعا لابن عباس: «اللهمّ فقّهه في الدين و علّمه التأويل»، فإن كان التأويل مسموعا كالتنزيل، فما فائدة تخصيصه بذلك! و هذا بيّن لا إشكال فيه.
و إنّما النهي يحمل على أحد وجهين:
أحدهما: أن يكون له في الشيء رأي، و إليه ميل من طبعه و هواه، فيتأوّل القرآن على وفق رأيه و هواه، ليحتجّ على تصحيح غرضه، و لو لم يكن له ذلك الرأي و الهوى لكان لا يلوح له من القرآن ذلك المعنى.
و هذا النوع يكون تارة مع العلم، كالذي يحتجّ ببعض آيات القرآن على تصحيح بدعته، و هو يعلم أن ليس المراد بالآية ذلك، و لكن مقصوده أن يلبّس على خصمه.
و تارة يكون مع الجهل، و ذلك إذا كانت الآية محتملة، فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، و يرجّح ذلك الجانب برأيه و هواه، فيكون قد فسّر برأيه، أي رأيه حمله على ذلك التفسير، و لو لا رأيه لما كان يترجّح عنده ذلك الوجه. و تارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن، و يستدلّ عليه بما يعلم أنّه ما أريد به، كمن يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي فيقول: قال اللّه تعالى: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى[٢] و يشير إلى قلبه، و يومئ إلى أنّه المراد بفرعون. و هذا الجنس قد يستعمله
[١] . كما جاء في الآية: ٥٩ من سورة النساء.
[٢] . طه ٢٠: ٢٤.