التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٤ - التفسير بالرأي
و خصّ الطبري هذه الأحاديث بالآي التي لا سبيل إلى العلم بتأويلها إلّا ببيان رسول صلّى اللّه عليه و اله، مثل تأويل ما فيه من وجوه أمره: واجبه و ندبه و إرشاده، و صنوف نهيه، و وظائف حقوقه و حدوده، و مبالغ فرائضه، و مقادير اللازم بعض خلقه لبعض، و ما أشبه ذلك من أحكام آية التي لم يدرك علمها إلّا ببيان الرسول لأمّته. و هذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلّا ببيان الرسول له بتأويله بنصّ منه عليه، أو بدلالة نصبها دالّة أمّته على تأويله.
قال: «و هذه الأخبار شاهدة لنا على صحّة ما قلنا من أنّ ما كان من تأويل آي القرآن الذي لا يدرك علمه إلّا بنصّ بيان الرسول أو بنصبه الدلالة عليه، فغير جائز لأحد القيل فيه برأيه، بل القائل في ذلك برأيه و إن أصاب الحقّ فيه فمخطئ فيما كان من فعله، بقيله فيه برأيه، لأنّ إصابته ليست إصابة موقن أنّه محقّ، و إنّما هو إصابة خارص و ظانّ، و القائل في دين اللّه بالظنّ قائل على اللّه ما لم يعلم؛ لأنّ قيله فيه برأيه ليس بقيل عالم أنّ الذي قال فيه من قول حقّ و صواب، فهو قائل على اللّه ما لا يعلم، آثم بفعله ما قد نهي عنه و حظر عليه»[١].
قلت: و هذا يعني العمومات الواردة في القرآن، الوارد تخصيصاتها في السنّة ببيان الرسول، مثل قوله: أَقِيمُوا الصَّلاةَ و آتُوا الزَّكاةَ و لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ و نحو ذلك مّما ورد في القرآن عامّا، و أوكل بيان تفاصيلها و شرائطها و أحكامها إلى بيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله. فلا يجوز شرح تفاصيلها إلّا عن أثر صحيح، و هذا حقّ، غير أنّ حديث المنع غير ناظر إلى خصوص ذلك.
و روى الترمذي بإسناده إلى ابن عبّاس عن النبي صلّى اللّه عليه و اله قال: «اتّقوا الحديث عليّ إلّا ما علمتم، فمن كذب عليّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار، و من قال في القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار»[٢].
[١] . المصدر: ٢٥- ٢٦ و ٢٧.
[٢] . الجامع الصحيح ٥: ١٩٩ كتاب التفسير باب ١ رقم ٢٩٥١ قال أبو عيسى الترمذي: هذا حديث حسن.