التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - التأويل عند أرباب القلوب
نعم، إنّ إخضاع القرآن للّغة التي مقياسها الوضع المحدود، عقال له عن الانطلاق فيما وراء الغيوب، و إغلاق لباب الفهم الذي مقياسه العقل الرشيد، مدعما بإدراكات كان مجالها ما فوق العقل، ألا و هو القلب الذي لا تحدّه الحدود؛ لأنّه عرش استواء تجلّيات الربّ تعالى على مملكة الجسم، كما جاء في الحديث القدسي: «لم تسعني سمائي و لا أرضي، و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن»[١] و هو القلب الذي اختصّه اللّه بالأسرار، و يجب أن يستفتيه الإنسان إذا حار.
سأل وابصة بن معبد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله عن البرّ و الإثم؟ فقال: «يا وابصة، استفت قلبك، البرّ: ما اطمأنّت إليه النفس و اطمأنّ إليه القلب، و الإثم: ما حاك في قلبك و تردّد في الصدر و إن أفتاك الناس»[٢].
فذلك القلب له لغته، كما أنّ للوضع لغته، و للعقل لغته، فإذا كانت لغة الوضع تدرك بالألفاظ، و يعبّر عنها بالكلمات، فلغة القلب تدرك بالذوق و الإشراق، الأمر الذي لا يحيط بالتعبير عنه الألفاظ و العبارات، بل بالرموز و الإشارات.
على أنّ تلك الإشارات المعبّرة عن الواردات القلبيّة لها واقع مشروع أقرّه الحديث المأثور: «لكلّ آية ظهر و بطن، و حدّ و مطلع»
إذن، فأربابها متّبعون لا مبتدعون، و قد اختصّهم اللّه بأسراره، و أودعهم ملكوت أنواره، ليكونوا مصابيح الهدى في غسق الدجى[٣].
و قال سعد الدين التفتازاني: «و أمّا ما يذهب إليه بعض المحقّقين من أنّ النصوص مصروفة على ظواهرها، و مع ذلك فيها إشارات خفيّة إلى دقائق تنكشف على أرباب السلوك، يمكن التطبيق بينها و بين الظواهر المرادة، فهو من كمال
[١] . بحار الأنوار ٥٥: ٣٩.
[٢] . مسند أحمد ٤: ٢٢٨.
[٣] . راجع الموافقات ٣: ٣٨٢.