التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٦ - التأويل عند أرباب القلوب
عرفانيّة رقيقة لا يمكنهم إعفاؤها، لأنّها بمثابة واردات أو هواتف هي سوانح ملكوتيّة قدسيّة تفاض على القلوب الواعية.
هذا تفسير «كشف الأسرار» للمولى أبي الفضل رشيد الدين الميبدي تفصيلا و تبيينا لتفسير العارف السالك الخواجا عبد اللّه الأنصاري، تراه جمع بين الظاهر و الباطن كلّا على حده، يفسّر القرآن أولا على نهج أهل الظاهر تفسيرا قويما، ثم يعرّج على تفسيره وفق مذاقات أهل الباطن في ظرافة و لباقة، كلّا في أحسن بيان، مقرّا بأنّ تفسير الظاهر هو الأصل، و لولاه لما أمكن استخراج الباطن الذي هو الفرع.
نعم يرون من تفسير الباطن، اللباب الخابئ تحت ذاك العباب.
قال سهل بن عبد اللّه التستري في قوله تعالى: وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ[١]: يعني: شرك النفس الأمّارة بالسوء. كما قال النبي صلّى اللّه عليه و اله «الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا»[٢].
قال: «هذا باطن الآية، و أمّا ظاهرها فمشركو العرب يؤمنون باللّه كما قال تعالى:
وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٣] و هم مع ذلك مشركون يؤمنون ببعض و لا يؤمنون ببعض»[٤].
إذن لم يخلط بين ظهر القرآن و بطنه، و ذكر كلّا على حدّه بأمانة، على أنّ الأخذ بالبطن كان مستندا إلى النبوي الشريف، مضافا إلى كونه الأخذ بمفهوم الآية العامّ- حسبما نبّهنا- مراعيا جانب المناسبة القريبة، فقد استجمع شرائط التأويل الصحيح.
[١] . يوسف ١٢: ١٠٦.
[٢] . المستدرك للحاكم ٢: ٢٩١، الكامل ٧: ٢٤٠.
[٣] . الزخرف ٤٣: ٨٧.
[٤] . تفسير التستري: ٨٣.