التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - التأويل عند أرباب القلوب
الإيمان، و محض العرفان»[١].
فالإشارة ترجمان لما يقع في القلوب من تجلّيات و مشاهدات، و تلويح لما يفيض به اللّه على صفوته من خلقه، من أسرار و غوامض في كلامه و كلام رسوله.
قال الأستاذ حسن عباس زكيّ في تصديره لتفسير القشيري: «و من هنا كانت مذاقات الصوفيّة و أهل التحقيق في القرآن، و هم لا يرون أنّ تلك المذاقات وحدها هي المرادة، و إنّما يأخذونها إشارات جاءت من قبل العبارات، و هذا النهج السديد بعيد كلّ البعد عن نهج الباطنيّة الذين يرون من تأويلات- غير مستندة- هي المرادة بالذات، و قصرهم معاني القرآن فيما فهموه لا يتعدّاه. فبين مذاقات الصوفيّة- من أهل التحقيق- و نزعات الباطنيّة آماد و أبعاد، و البون شاسع كبير»[٢].
و قال الشيخ تاج الدين ابن عطاء اللّه الإسكندري[٣] في كتابه لطائف المنن: «اعلم أنّ تفسير هذه الطائفة لكلام اللّه و كلام رسوله بالمعاني الغريبة ليس إحالة للظاهر عن ظاهره، و لكن ظاهر الآية مفهوم منه ما جلبت الآية له، و دلّت عليه في عرف اللسان، و ثمّ أفهام باطنة تفهم عند الآية و الحديث لمن فتح اللّه قلبه، و قد جاء في الحديث: «لكلّ آية ظهر و بطن» فلا يصدّنّك عن تلقّي هذه المعاني منهم أن يقول لك ذو جدل و معارضة: هذا إحالة لكلام اللّه و كلام رسوله! فليس ذلك بإحالة، و إنّما يكون إحالة لو قالوا: لا معنى للآية إلّا هذا، و هم لم يقولوا ذلك، بل يقرّون الظواهر على ظواهرها؛ مرادا بها موضوعاتها، و يفهمون عن اللّه ما أفهمهم»[٤].
[١] . شرح العقائد النسفية: ١٢٠.
[٢] . مقدّمة تفسير القشيري ١: ٦.
[٣] . هو أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء اللّه، أحد العلماء الجامعين لعلوم الدين من التفسير و الحديث و الأصول و التصوّف، استوطن القاهرة للوعظ، ثم رحل إلى الاسكندرية و مات بها سنة ٧٠٩ ه. و كتاب لطائف المنن في مناقب شيخه أبي العباس المرسي طبع بتونس سنة ١٣٠٤ ه.
[٤] . نقلا عن الاتّقان للسيوطي ٤: ١٩٧.