التأويل في مختلف المذاهب و الآراء - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - نظرة في صفات الذات
فقد بدأت دراسة الفنّ عامّة، و الأدب خاصّة، بتحليل العلاقة بين الإبداع و العالم الواقعي الذي نعيش فيه، و انتهت على يد كلّ من أفلاطون و أرسطو- و حتّى العصر الحديث فيما عرف بالكلاسيكيّة- إلى تأكيد دور الواقع الخارجيّ على حساب الفنّان أو المبدع، فيما عرف بنظريّة المحاكاة. و انتهت هذه النظريّة في تفسير العمل الفنّي و الأدبي إلى محاولة البحث عن الدلالات الخارجيّة التي يشير إليها العمل! و اتّحدت هذه الدلالات الخارجيّة عند افلاطون مع الحقيقة الفلسفيّة المتوارية وراء عالم الظواهر ..»[١].
و هكذا جرى على منواله أصحاب الفكرة الكلاسيكيّة الحديثة التي يمثّلها المفكّر الألماني «شليرماخر» (١٨٤٣ م) في موقفه الكلاسيكي بالنسبة للهرمنيوطيقا. و يعود إليه الفضل في أنّه نقل المصطلح من دائرة الاستخدام اللاهوتي، ليكون علما أو فنّا لعمليّة الفهم و شروطها في تحليل النصوص. و هكذا تباعد شليرماخر بالتأويليّة بشكل نهائي عن أن تكون في خدمة علم خاصّ، و وصل بها إلى أن تكون علما بذاتها، يؤسّس عمليّة الفهم، و بالتالي عمليّة التفسير.
و تقوم تأويليّة «شليرماخر» على أساس: أنّ النصّ عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلّف إلى القارئ، و بالتالي فهو يشير في جانبه اللغوي إلى اللغة بكاملها، و يشير في جانبه النفسي إلى الفكر الذاتيّ لمبدعه. و العلاقة بين الجانبين- فيما يرى شليرماخر- علاقة جدليّة. و كلّما تقدّم النصّ في الزمن صار غامضا بالنسبة لنا، و صرنا- من ثمّ- أقرب إلى سوء الفهم لا الفهم. و على ذلك لا بدّ من قيام «علم» أو «فنّ» يعصمنا من سوء الفهم، و يجعلنا أقرب إلى الفهم[٢].
[١] . المصدر السابق: ١٧- ١٨.
[٢] . الأمر الذي جهد عليه علماء الأصول منذ عهد بعيد، فوضعوا لفهم النصّ معايير و مقاييس يجمعها قواعد علم الأصول( مباحث حجّية الظواهر) على ما سننبّه.