التعليقة على تحرير الوسيلة - الصانعي، الشيخ يوسف - الصفحة ١٥٣ - المقدمة الرابعة في المكان
ظهور الكراهة والمنع عن ملّاكها ولو بوضع ما يمنع المارّة عن الدخول فيها، يشكل جميع ما ذكر وأشباهها فيها إلّافي الأراضي المتّسعة جدّاً، كالصحاري التي من مرافق القرى وتوابعها العرفيّة ومراتع دوابّها ومواشيها، فإنّه لايبعد فيها الجواز حتّى مع ظهور الكراهة والمنع.
(مسألة ٤٤٤): المراد بالمكان الذي تبطل الصلاة بغصبه، ما استقرّ عليه المصلّي ولو بوسائط على إشكال فيه، وما شغله من الفضاء في قيامه وركوعه وسجوده ونحوها، فقد يجتمعان كالصلاة في الأرض المغصوبة، وقد يفترقان كالجناح المباح الخارج إلى فضاء غير مباح، وكالفرش المغصوب المطروح على أرض غير مغصوبة.
(مسألة ٤٤٥): الأقوى صحّة صلاة كلّ من الرجل والمرأة مع المحاذاة أو تقدّم المرأة، لكن على كراهية بالنسبة إليهما[١] مع تقارنهما في الشروع، وبالنسبة إلى المتأخّر مع
[١]- الكراهة مختصّة بصورة المحاذاة، وإلّا فكما أنّ مع تقدّم الرجل لا كراهة، فكذلك مع تقدّم المرأة؛ قضاءً لصحيحة عبداللَّه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: اصلّي والمرأة إلى جنبيّ وهيتصلّي، قال:« لا، إلّاأن تتقدّم هي أو أنت، ولابأس أن تصلّي وهي بحذاك جالسة أو قائمة».( وسائل الشيعة ٥: ١٢٤/ ٥)
والظاهر من التقدّم التقدّم في المكان لا في الصلاة، كما أنّ الظاهر من التعبير بالسبق كذلك السبق في الصلاة، فإنّ المصلّي مع السبق في الصلاة ليس بمقدّم على الآخر فيها؛ لعدم الصلاة للآخر حتّى يكون السابق متقدّماً عليه، وهذا بخلاف التقدّم في المكان، فإنّ المتقدّم متقدّم على الآخر في الصلاة باعتبار المكان، والآخر متأخّر عنه بذلك الاعتبار في صلاته.
وممّا يؤيّد ذلك الظهور، بل يشهد عليه، ما ورد في صلاة الرجل والمرأة في المحمل من قوله عليه السلام في صحيحة ابن مسلم في الجواب عن سؤاله عن صلاتهما جميعاً، فقال:« لا، ولكن يصلّي الرجل فإذا فرغ صلّت المرأة».( وسائل الشيعة ٥: ١٢٤/ ٢) فإن كان التقدّم ظاهراً في التقدّم في الصلاة فعليه التعبير بقوله عليه السلام، ولكن يتقدّم الرجل ولميحتجّ إلى التصريح بصلاة المرأة بعد فراغ الرجل عن الصلاة.
ومثلها خبر أبي بصير، وكذا يشهد على ذلك ما في صحيح ابن مسلم، على ما في« التهذيب» و« الاستبصار»:« يعني إذا كان الرجل متقدّماً للمرأة بشبر».( وسائل الشيعة ٥: ١٢٤/ ١ و ٣)
وموثّقة عمّار، وإن كانت معارضة للصحيحة، حيث إنّها تدلّ على النهي عن صلاة الرجل وبين يديه امرأة تصلّي، وعلى عدم البأس عن صلاة المرأة خلف الرجل بقوله عليه السلام:« فإن كانت تصلّي خلفه فلابأس وإن كانت تصيب ثوبه».( وسائل الشيعة ٥: ١٢٨/ ١)
لكنّه مضافاً إلى ما في« مجمع الفائدة والبرهان» في الجواب عنها بما هذا لفظه:« وعن الثالث بضعف عمّار وأحمد بن الحسن بن عليّ بن فضّال، ومصدّق بن صدقة، بأ نّهم فطحيّون على ما قيل، مع ركاكة في المتن من حيث التطويل»،( مجمع الفائدة والبرهان ٢: ١٣١) ومضافاً إلى انفرادها في الفصل بعشرة أذرع، ومعارضتها مع جميع أخبار الباب الدالّة على كفاية الشبر، أو موضع الرحل، أو قدر ما يتخطّى، أو قدر عظم الذراع فصاعداً، أو ذراع ونحوه، أنّ الصحيح لصحّته مقدّم على الموثّقة، فإنّ في عدالة الراوي مزيّة على وثاقته.
هذا مع أنّه على المكافئة الحكم بالتخيير، والأخذ بكلّ واحد من المتعارضين من باب التسليم،( بأيّهما أخذت من باب التسليم وسعك) فنختار الأخذ بالصحيحة؛ لكونها أوفق بقاعدة الاشتراك، وتساوي الرجل والمرأة في الأحكام، وعدم المزيّة لأحدهما على الآخر فيها.
وتوهّم عدم التعارض الموضوع للعلاج بالترجيح أو التخيير من رأس؛ لما بينهما من الجمع العرفي، بحمل الظاهر- أيالصحيحة- على النصّ أو الأظهر، وهو الموثّقة، مدفوع بأنّ الحمل كذلك تامّ ولا إشكال فيه في المتّصلين منهما، وأ مّا في المنفصلين مع عدم إشارة في النصّ والأظهر إلى الظاهر، وأنّ المراد منه ما في النصّ أو الأظهر كالروايتين، لاسيّما مع الاختلاف في المتن بالطول والقصر وجهات اخرى، ومع الاختلاف في الناقل عن المعصوم، أيالراوي الأخير، ففي الحمل كذلك، لي فيه تأ مّل وإشكال، وإن كان معروفاً في الألسنة، بل يرسله الاصوليّون في الاصول، والفقهاء المتأخّرون عن الشيخ في الفقه إرسالًا مسلّماً، وكيف يصحّ أن يقال: إنّ المتكلّم بكلام له ظاهر، محمول على الكلام الآخر الأظهر أو النصّ، من دون نصب قرينة في الظاهر، على أنّ المراد منه ما هو المراد من الأظهر والنصّ، كما هو المفروض، ومن دون إشارة فيهما إلى ذلك الظاهر، وأ نّهما قرينة عليه، فهل هذا إلّاتأخير للبيان عن وقت الحاجة بالنسبة إلى الظاهر، وإغراء بالجهل، وغلط في الكلام، وشطط في بيان المرام، ممّا لايصدر عن المتكلّم العادي، فضلًا عن الفصيح، فضلًا عن أئمّة الفصحاء الذين هم أئمّة الهدى، ومصابيح الدجى، وأعلام التقى، وبهم علّمنا اللَّه معالم ديننا، وبهم أنقذنا اللَّه من شفا جرف الهلكات ومن النار؟! أبي وامّي وأهلي ومالي واسرتي لهم الفداء. فتدبّر جيّداً واغتنم، حتّى لاتترك الدقّة اغتراراً بما مرّ، وبما تعرف من إرسالهم الجمع كذلك إرسالًا مسلّماً، وإنّ الجمع كذلك جمع عرفي مانع عن تعارض الخبرين.
ولايخفى أنّ ما ذكرته من وجه التأ مّل في الجمع بين الظاهر والأظهر أو النصّ، فمثله جارٍ في العامّ والخاصّ المنفصلين، والمطلق والمقيّد كذلك، وفي أمثالها من المنفصلات المتعارضات التي يجمع بينها بحمل أحدهما على الآخر، ويقال: إنّ الجمع كذلك عرفي، ورافع للتعارض، ولابدّ من تفصيل الكلام في محلّه، ونسأل اللَّه التوفيق لبيان الوجه وتفصيله في محلّه إن شاء اللَّه تعالى، وما ذكرته وحقّقته في السابق في محلّه كان ما هو المعروف، وكنت مقتدياً وتابعاً لهم، لكن كانت التبعية من القصور لا التقصير، فإنّ السنّة الإلهية جارية على التكامل في العلم والعمل بكثرة المجاهدة فيهما، وعن النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم أنّه مع ما له من كمال العلم والعمل قال:« رَبِّ زِدْنِي عِلْماً».( طه( ٢٠): ١١٤)
هذا كلّه في معارضة الصحيحة مع الموثّقة، وأ مّا معارضتها مع مرسلتي ابن بكير وابن فضّال عمّن أخبره عن جميل، حيث إنّهما تدلّان على اعتبارتأخّر المرأة في موضع سجدتها عن الرجل، ففيهما بعد السؤال عن أبي عبداللَّه عليه السلام، عن صلاة المرأة بحذاء الرجل المصلّي أو بجنبه، فقال عليه السلام:« إذا كان سجودها مع ركوعه فلابأس»،( وسائل الشيعة ٥: ١٢٧/ ٣ و ٥) مع أنّهما مرسلتان غير قابلتين للمعارضة مع الصحيحة، لا ظهور في ذلك الجواب في التأخّر كذلك، بل الظاهر منه الاختلاف بينهما من حيث حالات الصلاة، بنفي البأس في صلاتهما باختلافهما في حالات الصلاة، بكون الرجل في حال الركوع، في حال كون المرأة في حال السجود، فالجواب، إن لميكن بإطلاقه شاملًا لعدم الكراهة مع ذلك الاختلاف وإن كانت المرأة متقدّمة، فلا أقلّ من عدم الدلالة على الكراهة مع تقدّمها.
وأ مّا صحيحة زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، ورواية« الدعائم» عن جعفر بن محمّد عليهما السلام، فالصحيحة مربوطة بصلاة المرأة بحيال الرجل، والثانية مربوطة بعكسها، ودونك الخبرين: ففى« التهذيب» و« الاستبصار» بسنده عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سألته عن المرأة تصلّي عند الرجل، فقال:« لاتصلّي المرأة بحيال الرجل إلّاأن يكون قدّامها ولو بصدره».( الاستبصار ١: ٣٩٩، تهذيب الأحكام ٢: ٣٧٩)
وفي« الدعائم»، عن جعفر بن محمّد عليهما السلام:« إنّه كره أن يصلّي الرجل ورجل بين يديه نائم، ولايصلّي الرجل وبحذائه امرأة إلّاأن يتقدّمها بصدره».( دعائم الإسلام ١: ١٥٠)