المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٤٣ - حديث الغدير
ثمّ
قال النبي (ص) : «ألستُ أولى بالمؤمنين من
أنفسهم»،
فأقرّوا له (ص) بذلك،
ثمّ قال متْبِعًا لقوله الأول بلا فصل: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه»، فقد علم أنّ قوله: (مولاه) عبارة عن المعنى الذي أقرّوا
له بأنّه أولى بهم من أنفسهم، فإذا كان إنما عنى بقوله: (مَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه) أني أولى به فقد جعل ذلك
لعلي بن أبي طالب علیه السلام بقوله:
(فعليٌ
مولاه)؛ لأنّه
لا يصلح أن يكون عنى بقوله: (فعليٌ مولاه) قسمًا من الأقسام التي أحلنا أن يكون النبي (ص) عناها في نفسه؛ لأنّ الأقسام هي
أن يكون مالكَ رق، أو معتقًا، أو ابن عمّ، أو عاقبة، أو خلفًا،
أو قدامًا، فإذا لم يكن لهذه الوجوه فيه (ص)
معنى لم يكن لها في علي علیه السلام أيضًا معنى، وبقي ملك الطاعة، فثبت أنّه عناه.
وإذا وجب ملك طاعة المسلمين لعلي علیه السلام فهو معنى الإمامة؛ لأنّ الإمامة إنما هي مشتقة من (الايتمام بالإنسان)، والايتمام هو الاتباع والاقتداء والعمل بعمله والقول بقوله، وأصل ذلك في اللغة سهم يكون مثالًا يُعمل عليه السهام، ويُتبع بصنعه صنعُها وبمقداره مقدارُها. فإذا وجبت طاعة علي علیه السلام على الخلق استحق معنى الإمامة.
فإن قالوا: إنّ النبي (ص) إنما جعل لعلي علیه السلام بهذا القول فضيلة شريفة، وإنّها ليست الإمامة.
قيل لهم: هذا في أول تأدي الخبر إلينا قد كانت النفوس تذهب إليه، فأمّا [بَعدَ] تقسيم الكلام وتبيين ما يحتمله وجوه لفظة (المولى) في اللغة حتى يحصل المعنى الذي جعله لعلي علیه السلام بها فلا يجوز ذلك؛ لأنّا قد رأينا أنّ اللغة تجيز في لفظة (المولى) وجوهًا كلّها لم يَعْنِها النبي (ص) بقوله في نفسه ولا في علي علیه السلام وبقي معنى