المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ٤٠ - آراؤه الكلامية
ولكن هذا لا يعني أنّ الإمامية ينكرون نسبة علم الغيب إلى الأئمة بنحو مطلق، وإنّما ينكرون أن يعلموا الغيب بعلم غير مستفاد، أي بعلم استقلالي لم يؤخذ من جهة من الجهات، وإنّما اقتضته ذاتهم بالاستقلال.
قال الشيخ المفيد: «فأمّا إطلاق القول عليهم بأنّهم يعلمون الغيب فهو منكَر بيّن الفساد؛ لأنّ الوصف بذلك إنّما يستحقه مَن عَلِمَ الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد»[٧٧].
وقال ابن ميثم البحرانيّ: «المراد بعلم الغيب هو العلم الذي لا يكون مستفادًا عن سبب يفيده، وذلك إنّما يصدق في حق الله تعالى؛ إذ كلّ علم لذي علم عداه فهو مستفاد من جوده، إمّا بواسطة أو بغير واسطة، فلا يكون علمَ غيب، وإن كان اطلاعًا على أمر غيبي»[٧٨].
وقد أيّد الطبرسيّ هذا التعريف حيث قال في موضع آخر من تفسيره: «ولا نعلم أحدًا منهم [أي الإمامية] استجاز الوصف بعلم الغيب لأحد من الخلق، فإنّما يستحق الوصف بذلك من يعلم جميع المعلومات، لا بعلم مستفاد»[٧٩].
إذن تعريفهم لعلم الغيب يحتوي على
هذه النقطة، وهي أنّه عِلم غير مستفاد، أمّا لو عَلم شخصٌ بالغيب بعلم مستفاد -
مثل أن يأخذه من رسول اللهnالذي أخذه بدوره من الله تعالى - فلا إشكال في ذلك. وقد صرّح
ابن قِبَة بوجود علم الغيب المستفاد عند الأئمة، فقال في موضع آخر من (نقض كتاب الاشهاد):
«... فعلمنا أنّ أسلافنا لم يعلموا الغيب،
وأنّ الأئمة أعلموهم ذلك بخبر الرسول»[٨٠].
[٧٧] أوائل المقالات: ٦٧.
[٧٨] شرح نهج البلاغة: ١/٨٤.
[٧٩] مجمع البيان: ٥/٣٥٢.
[٨٠] كمال الدين: ١١٣.
وقد أشار السيّد المدرسيّ فقط إلى عبارات ابن قِبَة الدالة على نفي علم الغيب، ولم يُشـر إلى العبارة الأخيرة (ينظر: تطور: ١٩٢- ١٩٣، مكتب: ٢٢٧)، الأمر الذي يوهم بأنّ ابن قِبَة ينفي علم الغيب بصورة مطلقة عن الأئمة، بل صرّح السيّد المدرسيّ في كتابه الآخر: (مقدمه اي بر فقه شيعه: ٣٣) بأنّ ابن قِبَة يؤمن بنفي علم الغيب عن الأئمةb، وهي نسبة غير صحيحة.