المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٠٩ - كيفية العلم بتحقق شروط التواتر
وليس لأحد أن يقول: إذا جاز أن يخبر الجماعة الكثيرة بالصدق ومن غير تواطؤ فألا جاز أن يخبر الجماعة الكثيرة بالكذب على هذا الوجه؟ وأيّ فرق بين الأمرين؟ لأنّ مفارقة الصدق للكذب في هذا الباب معلومة من جهة أنّ الصدق يجري في العادة مجرى ما حصل فيه سبب جامع، وعِلمُ الجماعة بكونه صدقًا داع إليه وجامعٌ عليه، وليس كذلك الكذب؛ لأنّ الكذب لا بدّ في فعله من أمر زائد وسبب جامع، ولصحة ما ذكرناه ما استحال في العادة أن يخبر أهل بلد كبير بوقوع حادثة عظيمة وهم كاذبون مع تواطؤ[٢٧٧] وما يقوم مقامه[٢٧٨]، وجاز أن يخبر[وا] بذلك وهم صادقون مع ارتفاع التواطؤ.
[كيفية العلم بتحقق شروط التواتر]
فأمّا ما به يُعلم ارتفاع التواطؤ عن الجماعة [الكثيرة] فهو أنّ التواطؤ إمّا أن يكون واقعًا بالملاقاة والمشافهة، أو بالمكاتبة والمراسلة، وربما تكرّرت هذه الأُمور فيه بمجرى العادة، بل الغالب تكرُّرُهُ؛ لأنّ الجماعات الكثيرة العدد لا يستقر بينها ما يُعمل عليه، ويجمع على الإخبار به من أول وهلة، وبأيسـر سبب، وما هذه حاله لا بدّ [من] أن يظهر ظهورًا يشترك كلّ من كان له اختلاط بالقوم في المعرفة به، حتى يؤدي عند عدم ظهوره إلى وجوب القطع على انتفائه، وظهورُ ما يقع من تواطؤ الجماعة [الكثيرة] واجب في الجماعة القليلة العدد أيضًا، حتى أن من خالطها على قلة عددها لا بدّ [من] أن يقف على ذلك إنْ وقع منها، وإذا
[٢٧٧] من غير تواطؤ: (خ ل).
[٢٧٨] كالاتفاق، ووجود اللبس والشبهة.