المتبقي من تراث ابن قِـبَـة الرازيّ - أبي جعفر محمّد بن عبد الرحمن بن قِبَـة الرازيّ - الصفحة ١٤٢ - حديث الغدير
ولم نجد أيضًا شيئًا من هذه الأوجه يجوز أن يكون النبي (ص) عناه بقوله: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه ؛ لأنّه لا يجوز أن يقول: (مَن كنتُ ابنَ عمّه فعليٌ ابنُ عمّه)؛ لأنّ ذلك معروف معلوم وتكريره على المسلمين عبث بلا فائدة. وليس يجوز أن يعني به عاقبة أمرهم، ولا خلف ولا قدام؛ لأنّه لا معنى له ولا فائدة. ووجدنا اللغة تجيز أن يقول الرجل: (فلان مولاي) إذا كان مالك طاعته، فكان هذا هو المعنى الذي عناه النبي (ص) بقوله: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه»؛ لأنّ الأقسام التي تحتملها اللغة لم يجز أن يعنيها بما بيّناه، ولم يبقَ قسم غير هذا، فوجب أن يكون هو الذي عناه بقوله (ص) : «فمَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه .
وممّا يؤكد ذلك قوله (ص) : «ألستُ أولى بالمؤمنين من أنفسهم»، ثمّ قال: «فمَن كنتُ مولاه فعليٌ مولاه ، فدلّ ذلك على أنّ معنى (مولاه) هو أنّه أولى بهم من أنفسهم؛ لأنّ المشهور في اللغة والعرف أنّ الرجل إذا قال لرجل: (إنّك أولى بي من نفسي) فقد جعله مطاعًا آمِرًا عليه، ولا يجوز أن يعصيه. وإنا لو أخذنا بيعة على رجل، وأقرَّ بأنّا أولى به من نفسه لم يكن له أن يخالفنا في شيء ممّا نأمره به؛ لأنّه إن خالفنا بطل معنى إقراره بأنّا أولى به من نفسه.
ولأنّ العرب أيضًا إذا أمر منهم إنسان إنسانًا بشيء وأخذه بالعمل به، وكان له أن يعصيه فعصاه قال له: (يا هذا، أنا أولى بنفسـي منك، إن لي أن أفعل بها ما أريد، وليس ذلك لك مني). فإذا كان قول الإنسان: (أنا أولى بنفسـي منك) يوجب له أن يفعل بنفسه ما يشاء إذا كان في الحقيقة أولى بنفسه من غيره وجب لـمَن هو أولى بنفسه منه أن يفعل به ما يشاء ولا يكون له أن يخالفه ولا يعصيه إذا كان ذلك كذلك.