موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٧ - كلام أخير
التكليف، ومن هذه الجهة لا يوصد الفقه الإسلامي الباب على الفقيه والمكلّفين، بل يضع أمامهم خيارات متعدّدة لامتثال الحكم الشرعي وفق الظروف والإمكانات المتاحة، وطبعاً هذا لا يعني أنّ الفقه الإسلامي ينحو نحو الأحكام العرفية ويبيح للفقيه نقض الضوابط الفقهية الأصيلة.
إنّ مسألة العناوين الثانوية في الفقه تشكل مساحة واسعة لتجسيد خصوصية المرونة في الأحكام الشرعية، على سبيل المثال مسألة العسر والحرج، وهي من العناوين الثانوية، تسمح للفقيه في جميع أبواب الفقه رفع اليد عن الأحكام التي تستلزم العسر والحرج على المكلّفين.
أو مسألة تقديم الأهمّ على المهمّ، وهي من العناوين الثانوية الأخرى، حيث تسمح للفقيه في موارد التعارض بين الموضوعات المختلفة بحسب الحكم الشرعي، انتخاب الأهمّ على حساب الحكم المهمّ، وبذلك يرتفع التعارض المذكور.
ومن القواعد الثانوية قاعدة لا ضرر، حيث تجري في جميع أبواب الفقه، سواء في أبواب العبادات أم المعاملات، وبذلك تمنح الأحكام الشرعية المرونة اللازمة، وكذلك قاعدة «الميسور» التي تحلّ الكثير من العقد في المسائل المتعلّقة بالحجّ وأمثال ذلك.
كلام أخير:
وفي نهاية هذا البحث، ومن أجل بيان نقاط الضعف والقصور الموجودة في تفاصيل العقل الجمعي وعدم إحاطته بجميع جوانب الأمور والمصالح والمفاسد الموجودة، وبالتالي عدم لياقته لوضع قوانين تكفل السعادة والأمن للبشرية، فإنّه يكفي في هذا المجال أن نستعرض أحد هذه القوانين وما يترتّب عليه من معطيات سلبية وآثار مخرّبة كثيرة:
إنّ من جملة مقرّرات المجامع العالمية التي يتمّ تقنينها بواسطة العقل الجمعي العالمي، أي هيئة الامم المتّحدة، وضع لائحة «رفع التمييز بالنسبة للنساء» التي تمّ إقرارها من قبل هيئة الأُمم المتّحدة بتاريخ ١٨ كانون الأول ١٩٧٩ أوجبت على الدول الأعضاء مهمّة تنفيذها في عام ١٩٨١، وشكّلت لذلك لجنة رفع التمييز (سيدا/WADEC ) المتشكلة من ٢٣ خبيراً من مختلف الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، وهذه اللجنة مسؤولة عن تنفيذ وتطبيق هذه اللائحة.
وتبدأ هذه اللائحة بمقدّمة طويلة ومن ٣٦ مادّة في ستة أقسام بهدف إزالة أيّ شكل من أشكال التمييز بين الرجال والنساء وضمان تساوي جميع الحقوق بينهما في مجالات مختلفة، وقد تمّت الموافقة في نهاية نيسان ٢٠٠٣ على هذه المعاهدة من قِبل ١٧٣ بلداً في العالم ومن جملتها ٦٥ بلداً إسلامياً عضواً في منظمة المؤتمر الإسلامي رغم أنّ ٤٦ دولة وافقت تحت ضغوط سياسية على هذه المعاهدة [١]، إنّ الروح الحاكمة على هذه اللائحة، والمضمون الأصلي لها هو حرية الإنسان بشكل مطلق ومساواة الرجل والمرأة بشكل مطلق أيضاً، والمراد من «التمييز» الذي يجب أن يضع هذه اللائحة على أساس المادة الأولى من القسم الأول لها، هو رفع أيّ شكل من أشكال التمييز والحرمان والمحدودية على أساس الجنس، وبالنتيجة إزالة جميع
[١]. فصلنامه (فصلية) كتاب نقد، العدد ٢٩، ص ٢١٤، نقلًا عن منابعغربية معتبرة (بالفارسيّة).