موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٧ - ٢- المصادر القانونية لشريعة اليهود
يرتكب تلك الذنوب الثلاثة (سنهدرين ٧٤ أ؛ پساحيم ٢٥ أ- ب). وهذا القانون وضع فيما يخصّ جريمة عبادة الوثن والزنا من خلال تفسير الكتاب المقدّس، وأمّا بالنسبة لقتل شخص آخر فمصدر هذا الحكم هو العقل لا التفسير. فقد ورد الاستدلال لذلك في التلمود:
«والدليل على ذلك: ... من قال أنّ دمك أكثر حمرة من دم ذلك الشخص؟ لعلّ دمه أكثر حمرة!» (سنهدرين ٧٤ أ). إذن فمصدر هذا القانون المباشر بالنسبة للقتل هو سوار [١] ..
ز) نموذج لعمل المصادر القانونية
ومن المناسب هنا أن نستعرض نموذجاً لعمل المنابع القانونية للشريعة اليهودية في عملية استنباط الأحكام، والمثال الواضح لهذا الأمر، هو عقوبة قطع العضو. فقد ورد في التوراة بالنسبة لهذا الحكم أنّه:
«وأمّا إذا تأذّت المرأة، تأخذ نفساً بنفس. وعيناً بعين، وسنّاً بسنّ، ويداً بيد، ورجلًا برجل» (سفر الخروج، ٢١:
٢٣. ٢٥؛ وكذلك سفر لاويان، ٢٤: ١٩. ٢٠).
وبالرغم من صراحة هذا العبارات حسب الظاهر، إلّا أنّ الشريعة الشفوية سلكت طريقاً مختلفاً تماماً عن ذلك، فميشنا تقول: «إنّ كلّ شخص يلحق ضرراً بشخص آخر يجب عليه دفع خمسة أنواع من الغرامة ...» (باواقما ٨: ١).
ونرى في التلمود شرحاً لهذه العبارة يبدأ بهذه الجملة: «لماذا [الغرامة]؟ ألم يقل القانون الإلهيّ: العين في مقابل العين، فلماذا لا نتمسّك بالمفهوم اللفظي لهذه العبارة [في قصاص العضو]؟» (باواقما ٨٣ ب).
وأمّا آمورائيم (شارحو الميشنا) فإنّهم تحرّكوا في كلماتهم وفي عدّة صفحات من التلمود على مستوى بيان وتبرير مبنى هذه الهلاخا وبالاستفادة من ميدراش و سوارا في عملية تبرير هذا القانون، وفي البداية استعانوا بالتفسير القياسي وقالوا:
هل يمكن أن نتصوّر أنّ الشخص إذا فقأ عين شخص آخر فيجب أن نفقأ عينه أو أنّه إذا قطع يد شخص آخر فيجب قطع يده، أو أنّه إذا قطع رجل شخص آخر فيجب أن تقطع رجله؟ إنّ التوراة تقول: «إذا ضرب شخص آخر ... وإذا ضرب بهيمة شخص آخر»
[سفر لاويان، ٢٤:
١٧- ١٨
]؛ إذاً فلو أنّ الإنسان ضرب حيواناً فيجب عليه دفع غرامة مالية، وإذا ضرب إنساناً فيجب عليه دفع غرامة مالية أيضاً. (باواقما ٨٣ ب)
فهنا نرى أنّ التلمود وبالاستفادة من قياس الإنسان بالحيوان ومن خلال استخدام المنطق الحقوقي في التفسير فإنّه فسّر العقوبة المذكورة في التوراة بالدية.
وكتّاب التلمود في بحثهم هذا استفادوا من منهج آخر للتفسير، حيث ذكروا على أساس تحليل المعنى اللغوي لعبارات التوراة وقالوا:
إذا لم تقنع بذلك، فعليك الالتفات إلى هذا الدليل، إنّ التوراة تقول: «لا تأخذ أيّ فدية كعوض لروح القاتل الذي يستوجب القتل، بل يجب أن يقتل»
[سفر الأعداد، ٣٥: ٣١
]. والمفهوم الضمنيّ لهذه الآية هو أنّه لا يمكن أخذ الدية في صورة واحدة فقط، وهي في مقابل نفس القاتل المتعمّد، ولكن بالنسبة لقطع الأعضاء الأصلية للبدن، حتّى في صورة عدم نموّها من جديد، فإنّه يمكن أخذ الدية (باواقما ٨٣ ب).
[١].١ .M .E .,"Sevarah ",op .cit .,p .٦٩١١ .