موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٣ - ٨ اقتران الفقه الإسلامي بالحكومة بشكل كامل
ويمكن من خلال النظر الدقيق إدراج البحوث الفقهية بشكل موجز إلى العناوين التالية:
١. الأمور التي تختصّ بمسؤولية الحكومات ولا يمكن لأفراد المجتمع والأحزاب والفئات المختلفة أن يتحرّكوا في هذا الأتّجاه بدون تشكيل الحكومة، وهذه الأمور عبارة عن:
ألف) إنّ بيت المال أو خزانة الدولة التي تتكفّل نفقات الحكومة ولا يمكن التصرّف في هذا المجال إلّا بأدوات حكومية وسلطة زمنية.
إنّ الأمر بجمع الزكوات والأخماس وحفظها والإشراف على أمر الأنفال والغنائم التي تعتبر من المنابع المهمّة لبيت المال- وقد ورد تفصيل الكلام فيها في الفقه الإسلامي في كتاب الزكاة و كتاب الخمس والأنفال و أحكام الغنائم- تندرج كلّها في هذه الدائرة، ولهذا السبب نرى في التاريخ الإسلامي، سواء في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله أم بعد رحلته، أنّ الحاكم الإسلامي يختار عمّال ومسؤولين يأخذون على عاتقهم هذه المهمات.
يقول أبوريّة كما سبق ذكره:
«إنّ الزبير بن العوام وجهمة بن الصلت كانا يكتبان أموال الصدقة، وكان حذيفة يكتب خراج النخل، وكان المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير، يكتبان المداينات والمعاملات» [١].
ب) مسألة القضاء، وتتكفّل حلّ النزاعات والخلافات الحقوقية والتصدّي لأعمال الظالمين وإنزال العقوبات بالمجرمين. وهذا المقام يعدّ في جميع أرجاء العالم من جملة المناصب الحكومية. صحيح أنّ الجهاز القضائي يجب أن يكون مستقلّاً بشكل كامل ولكنّ رئيس الجهاز القضائي والوزير الذي يتكفّل مثل هذه الموارد يتمّ تعيينه من قِبل الحكومة، ولا تتمكّن الأجهزة القضائية من تنفيذ أحكامها بدون دعم حكوميّ وإسناد رسمي.
وقد بحث الفقهاء في الفقه الإسلامي أصول وجزئيات القضاء الإسلامي في «كتاب القضاء» و «كتاب الشهادات» بشكل واسع، فهل من المعقول أن ينفصل الفقه الإسلامي مع كلّ هذه الأحكام الفقهية عن مسألة الحكومة والنظام السياسي؟ كلّا قطعاً.
ج) أحكام القصاص، الديات، وتعويض خسائر الجنايات، وعقوبة المعتدين على الأموال والنفوس والأعراض، وأحكام المحارب والمفسد، وهو الذي يعرّض المجتمع الإسلامي للتهديد والخطر ويسلب الأمان منه، كلّها لا يمكن تجسيدها على مستوى الممارسة في واقع الحياة والمجتمع بدون جهاز الحكومة. وعليه فإنّ وجود «كتاب القصاص» و «كتاب الديات» و «كتاب الحدود» وأحكام المحارب والمفسد في الأرض في الفقه الإسلامي تعدّ دليلًا واضحاً على اقتران الفقه بالحكومة بشكل وثيق، ولأنّه لا شكّ في أنّ إجراء حكم القصاص وإقامة الحدود لا يمكن القيام به إلّا بواسطة الحاكم.
ونقرأ في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام في جوابه «لحفص بن غياث» الذي سأله عن الشخص المسؤول عن إقامة الحدود من هو؟ فقال:
«إقامَةُ الحُدودِ إلى مَن إليهِ الحُكْمُ» [٢].
وعلى هذا الأساس صرّح الشيخ الطوسي في كتاب
[١]. انظر: الأضواء على السنة المحمدية، ص ٢٥٦.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٨، ص ٣٣٨، الباب ٢٨ من أبواب مقدّمات الحدود، ح ١.