موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٩ - الأدلّة على عدم جواز التقليد في أصول الدين
الحقّة وتفاصيل أصول الدين من موقع الاستدلال والبرهان ويتحرّك بالتالي في سلوكياته وأعماله على هذا الأساس.
مضافاً إلى ذلك، فإنّ التقليد في المسائل العقائدية يستلزم الدور والتسلسل، لأنّ الاعتماد على الكلام الإلهيّ في القرآن الكريم أو كلام النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله أو كلام أولياء الدين فيما يتّصل بالمسائل العقائدية، إنّما يتفرّع ويبتني على أساس حجّية هذا الكلام ومقبوليته وهذا يتوقّف على أن يثبت في مرحلة سابقة ومن خلال الدليل العقلي وجود اللَّه وصحّة النبوّة وحجّية القرآن بعنوانه كتاباً إلهياً، وحجّية أقوال أئمّة الدّين، لكي يمكن بالتالي الاستدلال بأقوالهم وكلماتهم، ولهذا السبب فإنّ الأصول العقائدية يجب أن تقوم على الموازين العقلية القطعية لكي يتمكّن المكلّف من الاستفادة والاستعانة بكلماتهم وما ورد عنهم من أحكام وأصول في مقام الاستدلال.
إنّ الآيات القرآنية بدورها تذم الكفّار والمشركين بسبب تقليدهم للماضين في المسائل العقائدية، ومن ذلك ما ورد في الآية ٢٢ من سورة الزخرف حكاية عن قول المشركين: «بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ».
وفي آية أخرى يقول: « «إِنَّ الَّذِينَ لَايُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى* وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» [١].
إنّ مسألة الاعتقاد بالملائكة وادّعاء هؤلاء المشركين بأنّ الملائكة من الإناث وهي في الواقع مسألة عقائدية، واللَّه تعالى ذمّهم على أساس أنّ كلامهم هذا يصدر من موقع الظنّ لا من موقع العلم واليقين.
ويستفاد من هذه الآية وآيات أخرى مشابهة لها أنّه لا ينبغي للإنسان أن يتّبع الظنّ والاحتمال إلّافي موارد قام الدليل القطعي على جوازها، والأصول العقائدية لا تدخل في هذه الدائرة ولا ينبغي اتّباع الظنّ فيها.
يقول الفخر الرازي فيما يتّصل بعدم جواز التقليد في أصول الدين: «إنّ تحصيل العلم في أصول الدين واجب على الرسول (ص) فوجب أن يجب علينا، وإنّما قلنا إنّه كان واجباً على الرسول (ص) لقوله تعالى: «فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [٢]؛ وإنّما قلنا إنّه لمّا كان واجباً على الرسول (ص) وجب أيضاً على أُمّته، لقوله تعالى:
«وَاتَّبِعُوهُ» [٣] وعليه يجب اتّباع الرسول (ص) ونصل في أصول الدين باليقين ولا يكفي التقليد» [٤].
ويقول في مكان آخر: «وهو أن يقال: دلّ القرآن على ذمّ التقليد لكن ثبت جواز التقليد في الشرعيات فوجب صرف الذمّ إلى التقليد في الأصول» [٥].
واستدلّ بعض علماء أهل السنّة على عدم جواز التقليد في أصول الدين، مضافاً إلى بعض الآيات الكريمة بدليلين آخرين:
١. إنّ جميع العلماء متّفقون على وجوب معرفة اللَّه ومعلوم أنّ هذه المعرفة لا تقوم على أساس التقليد، لأنّه من الممكن أن يكون المتحدّث عن اللَّه وعن الاعتقاد به كاذباً، ولذلك لا يصحّ اتّباع سبيل التقليد في معرفة اللَّه [٦].
[١]. سورة النجم، الآية ٢٧ و ٢٨.
[٢]. سورة محمّد، الآية ١٩.
[٣]. سورة الأعراف، الآية ١٥٨.
[٤]. المحصول، ج ٢، ص ٤٦٧.
[٥]. المصدر السابق، ص ٤٦٨.
[٦]. إرشاد الفحول، ج ٢، ص ٣٣١؛ المهذب في أصول الفقه المقارن، ج ٥، ص ٢٣٩٠.