موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨٠ - الأدلّة على عدم جواز التقليد في أصول الدين
وهذا الكلام قابل للمناقشة والنقد، لأنّ المعرفة على نوعين: معرفة يقينية، ومعرفة حاصلة من الظنون المعتبرة عند العقلاء، وعليه، فبالنسبة للعوام من الناس فإنّهم يتّبعون في معرفة أصول الدين علماءهم الذين يعتمدون عليهم ويثقون بهم من حيث علمهم وعدالتهم وصدقهم، وبذلك يحصل لديهم نوع من المعرفة وإن كانت غير قطعية تماماً، ومعتبر عند العقلاء ولا دليل على عدم كفايته.
٢. بالإمكان مقارنة أصول الدين بأركان الإسلام وقياسها عليها، فكما أنّ التقليد في أصل وجوب الصلاة والزكاة والحجّ والصيام غير صحيح، فكذلك التقليد في أصول الدين غير صحيح أيضاً ولا يجوز [١].
وهذ الاستدلال بدوره يمكن المناقشة فيه، لأنّ عدم التقليد في دائرة أركان الإسلام يعود إلى كونها ضرورية في الإسلام. أي أنّها واضحة إلى درجة لا يحتاج المكلّف معها إلى التقليد، وإلّا فعامة الناس قد سمعوا وجوب هذه الأركان أيضاً من علماء الدين لا أنّهم اكتشفوا ذلك وأثبتوا وجوبها من المنابع الأصلية للدين.
يقول ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري»، بعد أن بحث في جواز التقليد في أصول الدين أو عدم جوازه:
«قال البعض: إنّ الواجب على كلّ أحد معرفة اللَّه بالأدلّة عليه، وأنّه لا يكفي التقليد في ذلك «أصول الدين» وقال الآخرون: يكفي التقليد المحض في إثبات وجود اللَّه تعالى- ونقل عن أحد العلماء قوله: يمكن أن يفصل فيقال: من لا له أهليّة لفهم شيء من الأدلّة أصلًا وحصل له اليقين التامّ بالمطلوب، إمّا بنشأته على ذلك أو لنور يقذفه اللَّه في قلبه فإنّه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة لم يكتف منه إلّابالإيمان عن دليل ...».
ويقول في الختام: «لا يكفي إيمان المقلّد فلا يلتفت إليه لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين» [٢].
ويبدو أنّ كلام ابن حجر الأخير قابل للتأمّل والمناقشة، لأنّ أكثر المسلمين لا يتحرّكون في أصولهم الاعتقادية من موقع التقليد المحض، بمعنى أنّ بعض الناس ربّما يكون أساس اعتقادهم في البداية مقتبس من آبائهم كما هو الحال في الأحكام الفرعية حيث يتّبعون آباءهم أيضاً، ولكنّهم بعد وصولهم إلى مرتبة الرشد العقليّ، يكون بإمكانهم الاستقلال في فهم الأصول العقائدية المهمّة من موقع الاستدلال العقلاني، فإذا قالوا: نحن نعتقد بأنّ اللَّه موجود أو نعتقد بالتوحيد لأنّ آباءنا قالوا لنا ذلك، فإنّ هذا المقدار لا يكفي.
ويقول الشوكاني في «إرشاد الفحول» بعد بحثه هذه المسألة وهي: ما حكم من اعتقد بوجود اللَّه بدون دليل؟
يقول: «إنّ أكثر العلماء يقولون أنّه مؤمن وإن كان يعدّ فاسقاً بسبب تركه للاستدلال».
ثمّ يقول: ذهب الأشاعرة وجميع المعتزلة إلى أنّ هذا الشخص لا يعدّ مؤمناً ما لم يخرج من زمرة المقلِّدين في دائرة أصول الدين.
ثمّ إنّ الشوكاني ينتقد هذا الكلام بشدّة ويقول: على هذا الأساس يجب أن يكون أكثر الناس الذين هم من العوامّ ولا يتمكّنون من إقامة الدليل على أصول الدين، غير مؤمنين [٣].
ومعلوم أنّ مراده من عدم إقامة الدليل، الدليل التفصيلي الذي يستدلّ به المتكلّمون، وإلّا فإنّ أكثر
[١]. المهذب في أصول الفقه المقارن، ج ٥، ص ٢٣٩٠.
[٢]. انظر: فتح الباري، ج ١٥، ص ٢٩٧- ٣٠٣.
[٣]. ارشاد الفحول، ج ٢، ص ٣٣٢.