موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٠ - مقاصد الشريعة
يستمدّ مضمونه من كتب القدماء.
والآن كيف يحلّ أتباع المذهب الأشعري هذا التناقض، بأنّ أفعال اللَّه من جهة لا تحتاج إلى أيّ غرض وهدف ومقصد، ولا في دائرة التشريع ولا حتى في دائرة التكوين، بل أحياناً يذهبون إلى الحديث عن بيان العلّة في أفعال اللَّه يساوق الشرك، كما تقدّم آنفاً، ولكنّهم من جهة أخرى يبحثون بالتفصيل في موضوع علل أحكام الشرع، وحتى أنّهم بدأوا يطرحون علماً باسم مقاصد الشريعة، هذا هو ما ينبغي الجواب عنه [١].
وطبعاً فإنّ هذه المسألة مطروحة بشكل آخر بين أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، فهؤلاء يرون وتبعاً للآيات القرآنية الكثيرة وروايات أهل البيت عليهم السلام أنّه توجد مقاصد وأهداف مهمّة لتشريع الأحكام، وكانوا يعتقدون بذلك منذ زمان أئمّة أهل البيت عليهم السلام وكتبوا في هذا الموضوع كتباً متعدّدة.
وبعد أنّ نتجاوز هذه المقدّمة التاريخية المختصرة نتوجّه نحو القائلين بهذه النظرية في العصر الحاضر، حيث ذكروا المقاصد الأصلية للشريعة بالاستفادة من كلام القدماء تحت ثلاثة عناوين:
١. الضروريات، مثل حفظ النفس والمال والعقل و ...
٢. الحاجيات مثل (المعاملات).
٣. التحسينيات (وهي الأمور التي تعتبر من مكمّلات الحياة مثل آداب الأكل والشرب وما إلى ذلك).
ثمّ إنّهم يستعرضون في هذا الموضوع المقاصد الضرورية للشريعة ويضعونها في خمسة أمور:
١. حفظ الدين، ٢. حفظ النفس، ٣. حفظ العقل، ٤. حفظ النسب، ٥. حفظ المال.
ويعتقد هؤلاء العلماء أنّ جميع الأحكام الشرعية الضرورية الواردة في القرآن الكريم والسنّة النبوية وقام عليها إجماع العلماء، ناظرة إلى حفظ أحد هذه الأمور الضرورية، وينبغي البحث عن علل ومقاصد الأحكام من بداية الفقه إلى نهايته واستخدامها في استنباط الأحكام الفقهية، مثلًا بيّن أنّ الجهاد إنّما شرّع لغرض حفظ الدين، وشرّع القصاص لحفظ النفس، وحدّ شرب الخمر لغرض حفظ العقل، وحدّ الزنى لغرض حفظ النسب، وحدّ السرقة لحفظ الأموال.
وعندما تتبيّن لنا هذه المقاصد، يكون بإمكاننا فتح باب لهذه المسائل التي لم ترد في النصوص الإسلامية.
وطبعاً فإنّ هذه الأقسام الخمسة المذكورة أعلاه ناظرة فقط للضروريات ولا تشمل المعاملات والتي بدورها تشكّل قسماً مهمّاً من الفقه، كما أنّها لا تشمل قسم العبادات المستحبّة والكثيرة من المسائل المتعلّقة بالأخلاق الإسلامية التي ترسم طريق التكامل المعنوي للإنسان وكيفية الوصول للقرب الإلهيّ، فهذه تدخل في قسم التحكيميات، ولا ينحصر تقسيم ضروريات الحياة إلى هذه الأقسام الخمسة بالغزالي وابن عاشور، بل وردت في كلمات الكثير من قدماء فقهاء الإمامية ومتأخريهم أيضاً، ومنهم:
١. الشهيد الأول (م ٧٨٦) في «القواعد والفوائد»،
[١]. يمكن الجواب عنه: «ما أنكرت الأشاعرة من الغرض والهدف وتعليل الأحكام كانت قبل جعل الشارع، ولا ينكر أنّ للشارع أن يجعل سلسلة من الأصول الكلية والأهداف كما يجعل الأحكام، مثلًا جعل الشارع أصول كحفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل وما إلى ذلك، ولاحظ كلّ ذلك في الأهداف وجعل الأحكام، وعليه يستطيع الفقيه مع ملاحظة هذه الأصول أن يكشف عن أصول الأحكام الجديدة».