موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٩٢ - مقاصد الشريعة
العلّة أو الغرض بشكل صريح كما ورد في الآية الآنفة، ولكنّ العقل يستنبط هذه العلّة بشكل قطعيّ ويقينيّ.
على سبيل المثال، حكم تحريم الخمر، فإنّه يعني الشراب المستخرج من العنب، ولكنّنا نعلم يقيناً أنّه لا فرق بين الشراب المستخرج من العنب وبين سائر الأشربة والسوائل المسكرة الأخرى المستخرجة من سائر الثمار أو الحبوب، ونعلم أنّ مقصد الشارع المقدّس في ذلك هو حفظ العقول وحفظ النظم والأمن الإجتماعي على حدّ سواء، وعلى هذه الأساس يسري حكم الخمر في جميعها.
٣. الطريق الذي يطلق عليه «قياس الأولوية القطعية» مثلًا نعلم أنّ القرآن الكريم بمقتضى قوله تعالى: «فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا» [١]، لا يقبل بأيّة إهانة في حقّ الوالدين، فيمنع قطعاً السباب وتوجيه الكلمات البذئية لهما، لأنّ المقصد الأصليّ في هذا الحكم يتمثّل في حفظ احترام الوالدين، ومعلوم أنّ السبّ والشتم يؤذي الوالدين أكثر من كلمة اف.
٤. الطريق الذي نسمّيه ب «إلغاء الخصوصية» أو «تنقيح المناط»، مثلًا في الرواية المعروفة عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله
«أَنَّهُ خَرَجَ حَاجّاً فَنَظَرَ إلى امْرأَةٍ تَمْشِي بَيْنَ الإبِلِ، فقال: مَنْ هذِهِ؟ فقالوا: اخْتُ عُقْبَةَ بنِ عَامِر، نَذَرَتْ أنْ تَمْشِي إلى مكّةَ حَافِيَةً، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه و آله: يا عُقْبَةُ انْطَلِقْ إلى اخْتِكَ فَمُرْهَا فَلْتَرْكَبْ، فإنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَن مَشْيِها وحَفَاها، قال: فَرَكِبَتْ». [٢]
ومعلوم أنّ هذا الحديث ورد في مورد امرأة سارت من المدينة إلى مكّة مشياً على الأقدام وهي حافية، وكان الطريق والمسير شاقّاً عليها، وخاصّة مع كثرة الدوابّ والإبل في هذا الطريق، ولذلك حكم النبيّ الأكرم صلى الله عليه و آله بإبطال نذرها، ولكنّنا نعلم يقيناً أنّ هذا الحكم يجري أيضاً فيما لو كانت امرأة أخرى غير اخت عقبة، بل حتّى لو كان رجلًا يعيش في نفس هذه الظروف فإنّه بدوره يقع مشمولًا لهذا الحكم أيضاً، وعلى هذا الأساس ومن خلال العثور على القرائن القطعية لموضوع هذا الحكم، يكون بإمكاننا تعميم هذا الحكم إلى موارد أخرى، ومثل هذا الحكم في سائر أبواب الفقه الإسلامي ليس بالقليل.
وربّما لا يرد الكلام هنا عن فلسفة الحكم، بل عن بعض الفروع والملحقات للموضوع حيث يتمّ حذفها من خلال فهم العرف واستخراج الحكم الكلّي منها فبذلك نجد حلّاً للكثير من المشكلات الفقهية، ومن حيث النتيجة فإنّ هذه المسألة تساوق مسألة تحصيل مقاصد الحكم، ولهذا السبب يكون بإمكاننا إلحاق هذا المورد بطرق كشف المقاصد.
النتيجة: ممّا تقدّم يتبيّن الجواب عن السؤال المطروح في بداية البحث (هل يمكن حلّ مسائل ما لا نصّ فيه من خلال طريق مقاصد الشريعة؟) والجواب بالإيجاب، يعني نستطيع من خلال التوصّل لمقاصد الشريعة حلّ الكثير من المسائل المستحدثة، بشرط أن تكون تدخل ضمن الطرق الأربعة المذكورة.
ومن المعلوم أيضاً أن هذا الطريق لا يعتبر طريقاً جديداً في الفقه كما يطرح ذلك بعض علماء أهل السنّة في العصر الحاضر، بل هو طريق استخدمه فقهاء الإمامية طيلة تاريخ الاستنباط الفقهي لغرض فكّ العقد وفتح الأبواب الموصدة في الفقه، ولكن لا يمكن إنكار
[١]. سورة الإسراء، الآية ٢٣.
[٢]. تهذيب الأحكام، ج ٥، ص ١٤، ح ٣٧.