موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٧ - كلام القائلين بالهدفيّة
«ودلّت الآية أيضاً على أنّ أحكام اللَّه تعالى قد تكون معللّة، لأنّه تعالى قال: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا»
أي أنّ تشريع تلك الأحكام معلّلٌ بتلك المعاني» [١].
والآخر من علماء أهل السنّة هو
«محمّد أبوزهرة»
(م ١٣٩٦) يقول:
«إنّ المقصد النهائي الثابت في جميع أحكام الشريعة ثابت وهو مصالح الناس، فلم يرد أيّ حكم في القرآن والأحاديث إلّاوفيه مصلحة حقيقية في حفظ هذه الأمور الخمسة: الدين، النفس، المال، العقل، النسل. ثمّ يذكر لكلِّ واحدٍ منها مثالًا.
ثمّ يقول:
وإنّ هذه الأمور الخمسة هي الّتي جاءت من أجل المحافظة عليها الشرائع السماوية وتحاول الشرائع الوضعية أن تحقّقها».
ثمّ يشير إلى مخالفة «الأشاعرة» و «الظاهرية» الذين ينكرون الهدفية في الأحكام الشرعية ومراعاتها لواقع المصالح والمفاسد، كما أنّ بعض الشافعية والحنفية يعتقدون أيضاً بأنّ المصالح والمفاسد لا يمكنها أن تقف حائلًا دون المشيئة الإلهيّة «فعّال لما يشاء» بحيث تفرض على اللَّه تعالى أن يتحرّك في أفعاله وتشريعاته وفق هذه المصالح، ثمّ يقول في خاتمة هذا البحث:
«إنّ هذا الخلاف نظريٌّ لا يبنى عليه عمل، وهو أقرب إلى الآراء الفقهية، لأنّ الفقهاء أجمعين قرّروا أنّ الأحكام الشرعية هي وعاء المصالح الحقيقيّة وأنّه لا حكم جاء به الإسلام إلّاوفيه مصلحة لبني الإسلام» [٢].
والآخر من الكتّاب المعاصرين
«محمّد مصطفى الشلبي»
الذي كتب كتاباً مستقلّاً في فلسفة الأحكام باسم «تعليل الأحكام» ويقرّر ضمن عدّة فصول من هذا الكتاب مسألة الهدفية وتعليل الأحكام في نظر القرآن والسنّة والصحابة والتابعين، ويشير في الفصل الرابع إلى
«التعليل في عصر التدوين وتأليف أصول الفقه»
، ويصرّح في هذا الفصل بنقطة مهمّة وذلك في قوله:
«وفي هذه البرهة من الزمان حيث تمّ تأليف وتدوين كتب أصول الفقه، فقد ذهب البعض إلى أنّ مسألة التعليل هي من اصول العقائد، وذهب بعض آخر إلى أنّها من الفروع، وأنكر آخرون هذا الأصل من أساسه، وقبله بعض آخر في دائرة محدودة.
ثمّ يقول:
«لا أراى حاجة للدخول في هذا البحث بعد أن طرحت الأدلّة على تعليل الأحكام من القرآن والسنّة والصحابة والتابعين وتابعيهم، ولم أجد من يخالف ذلك فيهم.
وهذا برهان قويّ وحجّة قاطعة على أنّ أحكام اللَّه معلّلة بمصالح العباد، وهذا الأمر قام عليه الإجماع أو شبه الإجماع قبل ولادة بعض المنكرين للتعليل.
ونظراً لما تقدّم آنفاً، فكيف يمكن أن يأخذ المسلم عقيدته من مجموعة من العبارات المشوّشة والكلمات الناشئة من التعصّب والمغالطة، أو يقول كلاماً لاأساس له، بل ربّما يكون هناك تضادّ بين كلمات المنكرين للتعليل، بحيث يرى الإنسان الذي يقرأ تأليفاتهم أنّ كلّ واحد منهم يعترف بما أنكره مَن سبقه، لأنّ الحجّة قد تبيّنت وأنّ الحقيقة قد إتّضحت وقد نزع عنه جلباب التقليد والعصبية، وأكثر من ذلك أنّ أحدهم يبالغ في بداية كلامه في إنكار التعليل، وفي آخره يذعن له
[١]. التفسير المنير، ج ٦، ص ١٦٠.
[٢]. أصول الفقه لمحمّد أبوزهرة، ص ٣١٦- ٣٢٢.