موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٨ - كلام القائلين بالهدفيّة
ويعترف به ويقبل بالتعليل بحيث لايبقى مجال حتى للنزاع اللفظي» [١].
ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما تقدّم بيانه، يتبيّن جليّاً أنّ مسألة «تعليل أحكام اللَّه» تعتبر مسألة إجماعية بين فقهاء مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وكذلك بين الفقهاء والعلماء المعروفين من أهل السنّة. والمنكرون لمسألة التعليل والهدفية هم الذين ينكرون حجّية «القياس» فحسب، وهذا الإنكار أيضاً ليس بشكل مطلق وفي جميع الموارد بل الموارد التي يتصوّرون أنّ القائلين بالتعليل والغائيّة يريدون من خلال هذا المبنى إحياء مقولة القياس وإثبات حجّيّته، وفي غير هذه الموارد فإنّهم يقبلون بالتعليل المذكور بشكل صريح في الآيات القرآنية والأحاديث النبويّة. وعلى هذا الأساس فإنّ النزاع في هذه المسألة، طبقاً لما قاله بعض علماء أهل السنّة، هو نزاع لفظيّ.
ملاحظات ضرورية:
وهنا نرى من اللازم ذكر ثلاث نقاط ضرورية:
الأولى: أنّه كما تبيّن في البحوث السابقة أنّ مخالفة الأشاعرة لمسألة فلسفة الأحكام ليست مخالفة لفظية، بل إنّهم ينكرون واقعاً هذا المعنى، ويرون أنّ اللَّه تعالى أعلى من أن تكون أحكامه تابعة للمصالح والغايات «راجع البحوث السابقة»، ولكن بما أنّ ضعف هذا القول قد ثبت بوضوح لدى أغلب العلماء وخاصّة العلماء المعاصرين، فلا سبيل أمامهم سوى التحرّك من موقع تبرير كلامهم في هذه المسألة وقولهم: «إنّ النزاع في هذه المسألة لفظيّ»، على أيّة حال فمن حسن التوفيق أنّ هذا القول قد ثبت بطلانه عملًا، وفي الآونة الأخيرة يكاد يتّفق هؤلاء الفقهاء على أنّ الأحكام الإلهيّة والأوامر والنواهي الشرعية ناظرة للمصالح والمفاسد التي تتّصل بأمور البشر، وهذا المعنى يبيّن أنّ الأحكام الإسلامية تتحرّك في خطّ العقلانية والمسوّغات المنطقيّة.
والأخرى: أنّ مصالح ومفاسد الأحكام (الواجبات والمحرّمات) تملك في الكثير من الموارد جهة عامة لا تتّخذ في واقعها التطبيقي حالة الشمولية التامّة ماءة بالماءة بل حالها حال القوانين البشرية التي تنطلق من موقع الحكمة الغالبة والمصلحة العامّة.
مثلًا أنّ الحكمة من تحريم الخمر هي فساد العقل وحدوث أشكال النزاع والبغضاء بين الناس والابتعاد عن ذكر اللَّه (كما ورد هذا المعنى في القرآن والروايات الإسلامية) ولكن في نفس الوقت ربّما يتناول بعض الأشخاص مقداراً قليلًا من الخمر بحيث لا تظهر على سلوكيّاتهم هذه التداعيات والآثار السلبية، ومعلوم أنّ هذا المعنى لا يسوّغ جواز شرب الخمر لهؤلاء الأشخاص، لأنّ موضوع التحريم هو «الخمر بشكل مطلق» والحكمة المذكورة لهذا الحكم لها جهة غالبة، وكذلك بالنسبة للواجبات والمحرّمات الأخرى.
الثالثة: أنّ القول بفلسفة الأحكام لا يعني إطلاقاً قبول القياسات الظنّية، لأنّه من الممكن أن نقبل بفلسفة الأحكام، ولكنّنا في ذات الوقت لا نرى حجّية القياسات الظنّية، بل نعتقد بأنّ القياس إنّما يكون مقبولًا فيما إذا كان قطعياً ك (قياس الأولوية). ولهذا السبب فإنّ أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام الذين يقولون بوجود
[١]. تعليل الأحكام، ص ٩٦.