موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٩ - ٦ علم الفقه
٦. علم الفقه
والمقصود من علم الفقه الذي يندرج في مباني ومقدّمات الاجتهاد واستنباط الأحكام، هو عملية التمرّن والممارسة على الاجتهاد في المسائل الفقهية واستنباط الأحكام، وبالطبع ربّما يتوهّم البعض أنّ الإجتهاد مقدّمة ووسيلة لتحصيل الفقه وأنّ الفقه ذو المقدّمة، إذن كيف يمكن أن يكون الفقه مقدّمة للاجتهاد؟ [١]
والجواب: إنّ أحد شروط تحقّق وفعلية الاجتهاد، هو أن يملك الإنسان استعداداً وقوّة قدسية لملكة الاجتهاد، أي قوّة ردّ الفروع إلى الأصول وبالعكس، ولا يكفي أن يحيط الإنسان علماً بالعلوم التي تقع في مقدّمة الاجتهاد لتحقيق هذا الأمر المهمّ، بل مضافاً إلى ذلك لابدّ من توفّر قوّة وملكة في هذا الشأن بحيث يتمكّن هذا العالم من ردّ الفروع إلى الأصول وإرجاع الجزئيات إلى الكلّيات، مثلًا عند تعارض الدليلين، فإنّ هذا الشخص ينبغي أن يملك قوّة تشخيص وترجيح أحدهما على الآخر.
وتعدّ ملكة الاجتهاد أو بعضها من المواهب الإلهيّة التي تمنح إلى من تتوفّر فيه القابلية والصلاحية لهذا الأمر، فإذا كان الشخص لا يملك هذه الموهبة الإلهية فإنّه لا يتمكّن من التحرّك في عملية الاستنباط من موقع الاجتهاد الصحيح والكامل. كما أنّ الفاقد لطبع الشعر لا يمكنه إنشاد قصيدة شعرية حتى لو كان عالماً بجميع القواعد الأدبية وقوانين الشعر والقافية وغير ذلك، لأنّ الطبع السليم والمساعد، له تأثير كبير في إنشاد الشعر [٢]، وقسم منه يعود لعملية التكرار والتمرّن وبحاجة إلى تجربة عملية في هذا المورد، كما أنّ هذا المعنى يجري في جميع العلوم والمعارف البشرية التي لا تحصل لدى الإنسان ملكة خاصّة بها بدون تمرين وممارسة في عملية التطبيق العملي في الواقع الخارجي، مثلًا بالنسبة لطلّاب علم الطبّ فإنّهم يعملون على ممارسة عمل الطبابة في المستشفيات بالتزامن مع تحصيلهم العلمي في الجامعات ليحقّقوا لأنفسهم تجربة عملية في الواقع الخارجي مضافاً لتحصيلهم العلمي وبذلك تكمل قوة وملكة الطبابة عندهم، وعلى هذا الأساس فإنّه من أجل تحقيق ملكة الاجتهاد في واقع الإنسان فلابدّ من التمرّن والممارسة العملية في طبيعة المسائل الفقهية والعمل على ردّ الأصول إلى الفروع وبالعكس.
مثلًا إذا سئل المجتهد أنّ المكلّف إذا صلّى الظهر والعصر، وحصل لديه علم إجمالي بأنّ إحدى هاتين الصلاتين وقعت بدون طهارة ولكنّه لا يعلم أيّ واحدة منهما على سبيل التعيين، فما تكليفه؟
هنا ينبغي على المجتهد أن يعلم أنّ مورد السؤال هل هو من قبيل موارد تطبيق قاعدة الاحتياط أم قاعدة الفراغ حتى يمكنه ترتيب الأثر الخاصّ لكلّ منهما في معرفة الحكم الشرعي، وهذه المعرفة تحصل لدى المجتهد من خلال التمرّن والممارسة العملية، ولذلك فإنّ بعض علماء الإسلام ذكروا هذا الشرط، أي الممارسة في الفقه كمقدّمة للاجتهاد [٣].
[١]. عناية الأصول، ج ٦، ص ١٩٢؛ المحصول في علم أصول الفقه للفخر الرازي، ج ٢، ص ٤٣٥؛ وورد في المحصول للفخر الرازي: «وأمّا تفاريع الفقه فلا حاجة إليها لأنّ هذه التفاريع ولّدها المجتهدون بعد أن فازوا بمنصب الاجتهاد فكيف تكون شرطاً فيه؟».
[٢]. قوانين الأصول، ج ٢، ص ٤٠٥.
[٣]. الفوائد الحائرية، ص ٣٣٧؛ المستصفى، ج ٢، ص ٣٥٣؛ إرشاد الفحول، ص ٤٢٠؛ أنوار الأصول، ج ٣، ص ٦٢٦.