موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٦ - ٤ سدّ الذرائع وفتحها
وأمّا دليل القائلين بحجيّة المصالح المرسلة، فهو: إنّ الأحكام تابعة للمصالح، والنصوص الشريفة لم تقرّر جميع المصالح الموجودة في الأعمال، والمصالح متجددة بحسب مقتضيات الزمان والمكان، فلو اكتفى الفقيه بالمصالح المعتبرة الواردة في النصوص فإنّه سيفقد مصالح كثيرة أخرى، وهذا مخالف لغرض الشارع [١].
الجواب: من البديهي أنّ الأحكام تابعة للمصالح، فإذا كانت المصالح واردة في الأدلّة والنصوص، أو أدركها العقل في دائرة المستقلّات العقلية بحيث يحصل من ذلك، القطع بها، فإنّ هذا القطع بذاته سيكون حجّة ولكن إذا كانت المصلحة بشكل لا يوجد دليل على اعتبارها وإلغائها، وكانت تقوم على أساس الظنّ بالحكم الشرعيّ واعتبار هذا الحكم مبنيّ على أساس هذه المصلحة، فإنّ ذلك يحتاج إلى دليل قطعيّ، ولا يوجد مثل هذا الدليل، والأصل في الظنّ عدم الحجّية [٢] «إِنَّ الظَّنَّ لَايُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» [٣].
وخلاصة الكلام أنّه كلّما حصل القطع واليقين بالمصالح المرسلة، فلا شك في حجّيتها، والإشكال إنّما هو في المصالح الظنيّة التي لا يوجد دليل قطعيّ لدينا على اعتبارها وحجّيتها.
٤. سدّ الذرائع وفتحها
«ذرائع» جمع «ذريعة» بمعنى الوسيلة. «سدّ» و «فتح» اصطلاحان لدى أهل السنّة حيث قالوا: بما أنّ جلب المصالح ودفع المفاسد لازم وبعض الأفعال حرام بشكل مباشر، من قبيل السرقة والزنا، ولكنّ بعض الأفعال لم تقع مورد الحكم بالحرمة بشكل مباشر، ولكن بما أنّها تفضي إلى الحرام، فإنّ الشارع حكم بحرمتها، مثل الخلوة بالمرأة الأجنبية [٤]، فمن يرى أنّ «سدّ الذرائع» حجّة، فإنّه يقول: يجب إيصاد طرق الوصول إلى المحرّمات الإلهيّة، كما أنّ الشخص الذي يرى «فتح الذرائع» حجّة أيضاً يقول: يجب فتح الطرق والوسائل للتوصّل إلى الواجبات الشرعية، ويرى مالك (إمام المذهب المالكي) أنّ هذه القاعدة جارية في أكثر أبواب الفقه، والمعروف أنّه قال: إنّ ربع التكاليف الشرعية تستخرج من قاعدة سدّ وفتح الذرائع [٥].
والظاهر أنّ هذين الاصطلاحين يعودان إلى «حرمة مقدّمة الحرام» و «وجوب مقدّمة الواجب» حيث تبحث في أصول فقه الشيعة في بحث مقدمة الواجب [٦].
وهناك معنىً آخر أيضاً لسدّ الذرائع، وهو سدّ طرق الحيلة في الشرع. وعلى سبيل المثال: إذا تحرّك المكلّف للفرار من الربا على مستوى بيع ماله بقيمة غالية على شكل نسيئة، واشترط على المشتري أن يبيعه البضاعة بقيمة أقل نقداً، فهذا العمل لا يجوز شرعاً والدليل على ذلك سدّ الذرائع [٧].
والإشكال الذي يرد على هذا الكلام هو أنّه إذا كان «سدّ وفتح الذرائع» بالمعنى الأول، فهذا البحث يتعلّق بالنوع الثاني من موارد حكم العقل، حيث تقدّم ذكره سابقاً وذكرناه في مقدّمة الواجب والحرام، وإذا كان
[١]. أصول الفقه الإسلامي، ص ٢٥٩.
[٢]. أنوار الأصول، ج ٢، ص ٥٣٨.
[٣]. سورة النجم، الآية ٢٨.
[٤]. أصول الفقه الإسلامي، ص ٣٠٠.
[٥]. الموافقات، ج ٤، ص ١٤١.
[٦]. هنا فرق بين «سدّ الذرائع وفتحها» وبين «مقدّمة الحرام والواجب» حيث ورد بحثه في «أساس اختلاف الفتاوى».
[٧]. أنوار الأصول، ج ٢، ص ٥٤٢.