موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٩٨ - تعارض الأدلّة
وأمّا في صورة التعارض بين استصحابين فإن كانت العلاقة بينهما علاقة السببيّة والمسببيّة، فإنّ الاستصحاب السببيّ مقدّم، وإلّا فإنّ كلا الأصلين يسقطان ولا أثر لهما، مثل ما إذا كان الماء كرّاً سابقاً والآن شككنا في كرّيته وطهّرنا اللباس النجس به، ففي هذه الصورة فإنّ الاستصحاب السببيّ (استصحاب كرّية الماء) جارٍ في المقام ولا ينبغي الالتفات إلى استصحاب نجاسة اللباس (أصل مسبّبي).
وبالنسبة للتعارض بين الدليلين فهناك مرجّحات عند حدوث مثل هذا التعارض، ومع وجود هذه المرجّحات في أحد الدليلين فإنّه يقدّم على الآخر، وإن فقد كلّ واحد منهما أيّ مرجح من هذه المرجّحات ووصل الأمر إلى (التعادل)، ففي هذه الصورة يتساقطان أو يكون أحدهما هو الحجّة على نحو التخيير، أو يتوقّف المكلّف ويعمل بالاحتياط، وهنا تختلف مباني الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة، حيث اتّخذ كلّ فقيه مسلكاً منها.
والكثير من الفقهاء بالنسبة للقاعدة المذكورة (الترجيح في صورة وجود المرجّح، والتساقط أو التخيير أو الاحتياط في صورة التعادل) ذهبوا إلى جريان هذه القاعدة في جميع الأمارات [١].
ولكنّ أهم بحث في هذا المورد هو تعارض روايتين، وهذا التعارض واقع كثيراً، لأنّ الفقيه يواجه في كثير من أبواب الفقه المختلفة روايات متعارضة، مثلًا، في روايات مقدار الكرّ من حيث الوزن والمساحة، أو في روايات طهارة ونجاسة أهل الكتاب، أو في روايات حرمة وعدم حرمة الزواج من المرأة الكتابية، وغير ذلك حيث يوجد تعارض بين الروايات في هذه المسائل.
وقد سبق أن ذكرنا بالنسبة للإشكالات التي تذكر على سنّة الأئمّة المعصومين عليهم السلام، إلى مصدر ومنبع التعارض في الروايات، ولكنّنا نبحث هنا علاج هذا التعارض وكيفية مواجهة مسألة تعارض الخبرين.
وتبيّن آنفاً طريقة إجراء قواعد التعارض في الأخبار. وأغلب فقهاء الإسلام يقبلون إجمالًا تأثير المرجحات في هذا الباب، إلّاأنّ الباقّلاني وأباعليّ وأباهاشم الجبّائي أنكروا تأثير هذه المرجّحات وبالتالي فإنّهم عملوا بالتعادل [٢] في جميع أبواب التعارض، ولكنّ المشهور بين الفريقين ومقتضى الأخبار المتواترة أنّ الرواية التي تملك بعض المرجّحات تقدّم على الفاقدة لها.
وقد ذكرت مرجّحات ومزايا كثيرة في الروايات بعضها يرتبط بجهة السند، والبعض الآخر بجهة الدلالة، وهذه المرجّحات من قبيل: شهرة الرواية وعمل الفقهاء بها، كون الراوي أعدل من الآخر أو أفقه أو أصدق منه، وكذلك موافقة الرواية للكتاب والسنّة وغيرها.
وقد ذكر أهل السنّة مزايا ومرجّحات أخرى من قبيل: قرب عصر الراوي من عصر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله، طول صحبته لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله، سماعه الحديث بشكل مباشر، ارتباط حكم الرواية مع راويها، شهرة الراوي، تقدّم الراوي في السنّ، تأخّر إسلام الراوي، أعلمية الراوي بلغة العرب، كثرة الرواة، قلّة الوسطاء، الظهور الأقوى للرواية، نقل الرواية بألفاظها من النبيّ صلى الله عليه و آله (في مقابل النقل بالمعنى) وكون الرواية قولية (في مقابل حكاية
[١]. الرسائل (فرائد الأصول)، ص ٤٢٨.
[٢]. المصدر السابق، ص ٤٤١.