فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٨٧ - نظريّة السنّة أو خبر الواحد في مدرسة الاُصول الشيعية / ١ / الشيخ حيدر حب اللّه
الثانية : محاولات الترجيح لأحد الكلامين على الآخر .
وبدورنا ، سوف نبحث أولاً محاولات التوفيق ، ثم نتعرّض لمحاولات الترجيح ، وحيث غلب على محاولات الترجيح الانتصار للطوسي ، سوف ندرس أوّلاً مدعّمات إجماعه وثانياً مضعّفاته إن شاء الله تعالى .
محاولات التوفيق بين المرتضى والطوسي :
وعلى أية حال ، فحاصل محاولات الجمع والتفسير التي قدّمت أو يمكن تقديمها على الشكل التالي ، بعد الإشارة إلى أن بعضها يهدف لتحديد واقع تاريخي بحت أولاً وبالذات ، وبعضها الآخر يهدف في نهاية المطاف لتقديم ادعاء الطوسي على غيره ـ بتأويل كلام المرتضى ـ على صعيد الأخذ بإجماعه ليشكّل بنفسه دليلاً على حجية خبر الواحد (١٦٣)، أو تقديم ادعاء المرتضى (١٦٤).
المحاولة الأولى: إن الإجماع الذي ادعاه المرتضى منصبّ على أخبار الآحاد التي يرويها المخالفون للإمامية من الفرق الأخرى ، أما الإجماع الذي يدّعيه الطوسي فمعقده أخبار الطائفة وما ترويه عن ثقاتها ، فيزول التعارض ، وتثبت حجية الخبر آنذاك بلحاظ الدائرة الأضيق التي ذكرها الطوسي .
وهذا الوجه هو ما يفهم بوضوح من كلام الطوسي نفسه في العدّة (١٦٥)وقد تابعه عليه جماعة (١٦٦)، منهم الشيخ مرتضى الأنصاري (١٢٨١هـ ) في فرائده ، حيث ذهب إلى أن مآل ذلك إلى أن الشيعة لم تكن قادرة على ردّ روايات أهل السنّة بحجة فسق الراوي ، فكانت تُبْدي نفسها لا تعتقد أساساً بحجية الخبر ، مما يوفّر عليها ردّ أخبار غيرها (١٦٧).
ويجعل السيد محمّد باقر الصدر (١٤٠٠هـ ) تبعاً للمحقق العراقي (١٣٦١هـ ) (١٦٨)إجماع الطوسي نفسه قرينة داخلية على مراد المرتضى ، سيما وأن
(١٦٣)يخفّف السيد مصطفى الخميني (رحمه الله) من حجم الخلاف بين السيد والشيخ انطلاقاً من أن الأغلبية الساحقة من الأخبار ثمّة ما يحفّها من قرائن ، فينحصر الخلاف فيما لا قرينة فيه ، وهو لذلك لا يرى كثير فائدة في هذا البحث ، والمسألة على ما يبدو مبنائية ، راجع تحريرات في الأصول ، تصحيح وتحقيق السيد محمد السجادي وحبيب الله عظيمي ٣ : ٢٣٨ـ ٢٣٩، مؤسسة الطباعة والنشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي ، إيران ، الطبعة الأولى ، ١٤١٤هـ ، وأما السيد عبد الأعلى السبزواري فتخفيفه من حجم المشكلة ينطلق من كون الخلاف صغروياً لا كبروياً ، فالجميع عامل بالأخبار ، لكن إما من باب القرائن أو غيرها ، وهو لذلك يرى البحث بلا طائل ، انظر تهذيب الاُصول ٢ : ١٠٠و ١١٥، مؤسسة المنار ، الطبعة الثالثة ، ١٩٩٦م ، لكن مطاوي البحث قد تثبت لنا أن الموضوع أعمق من ذلك ، وأنه ـ حتى لو عملوا بالروايات ـ لكن اختلاف المباني ليس شيئاً عابراً سيما على صعيد البحث الأصولي والتاريخي ، ومنه يظهر الحال فيما ذكره الشهيد الخميني من أخذنا بالقدر المتيقن من إجماعي الطوسي والمرتضى ، فإن القدر المتيقن قد يدّعى أن مآله إلى إنكار حجية الخبر ، تحريرات الاُصول ، مصدر سابق ، ٣ : ٢٨٨.
(١٦٤)محمّد أمين الاسترآبادي ، حاشية تهذيب الاحكام ، مخطوط في مكتبة المرعشي النجفي ، رقم ٣٧٨٩، الورقة ٩ .
(١٦٥)العدّة ١ : ١٢٧ـ ١٢٨.
(١٦٦)لاحظ المحقق العراقي في نهاية الأفكار ، بقلم الشيخ محمد تقي البروجردي النجفي ٣ : القسم الأول : ١٠٦ـ ١٠٧و ١٣٦، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين ، إيران ، والعراقي أيضاً في مقالات الاُصول ٢ : ٨٣و ١٠٤، مجمع الفكر الإسلامي ، إيران ، الطبعة المحقّقة الأولى ، ١٤٢٠هـ ، وحسين الكركي في هداية الأبرار : ٨ ، وناصر مكارم شيرازي في أنوار الأصول ٢ : ٤٣٧و ٤٦٣، بقلم أحمد المقدسي ، انتشارات نسل جوان ، إيران ، الطبعة الثانية ، ١٤١٦هـ ، والشيخ جعفر السبحاني في إرشاد العقول إلى مباحث الأصول ، بقلم محمد حسين الحاج العاملي ١ : ٢١٣، نشر دار الأضواء ، بيروت ، الطبعة الأولى ، ٢٠٠٠م ، والسيد محمد حسين البروجردي ، في الحاشية على كفاية الأصول ، بقلم الشيخ بهاء الدين الحجّتي البروجردي ٢ : ١٠٤، الطبعة الأولى ، ١٤١٢هـ ، مؤسسة أنصاريان ، إيران ، والشيخ محمد علي الأراكي ، في اُصول الفقه ١ : ٥٦٠، مؤسسة در راه حق ، قم ، ١٩٩٦م ، وصريح نهاية الاُصول ، الشيخ حسين علي منتظري ، تقرير درس السيّد البروجردي : ٥٢٢ـ ٥٢٣، نشر تفكّر ، الطبعة الاُولى ، ١٤١٥هـ .
(١٦٧)فرائد الأصول ، حقّقه وقدّم له وعلّق عليه عبدالله النوراني ١ : ١٥٥و ١٥٦، مؤسسة النعمان ، بيروت ، ١٩٩١م .
(١٦٨)المحقق ضياء الدين العراقي ، مقالات الأصول ٢ : ٨٣.