شرح المقاصد - التفتازاني، سعد الدين - الصفحة ٢٢
و أما تقريرهم من المعجزات فإجمالا أنه لا يبعد أن يختص بعض النفوس الإنسانية بقوة هي مبدأ لأفعال غريبة بسبب ما لها من الخصوصية الشخصية، أو بسبب أمر طارئ عليها من غير اكتساب أو حاصل لها بالاكتساب على ما هو شأن أكثر الأولياء، و هذا لا ينافي اتحاد النفوس بحسب النوع: و تفصيلا أن المشهور من معجزات الأنبياء و كرامات الأولياء ثلاث بحسب القوة الإنسانية، و القوة الحيوانية باعتبار الحركات و السكنات.
فالأول: الاطلاع على المغيبات، و ليس ببعيد لتحقيقه في حال النوم على ما تعرفه من نفسك و تسمعه من غيرك. و سبب ذلك اتصال النفس بالمبادئ العالية، اعني العقول و النفوس السماوية المنتقشة بصور ما يستند إليها من الحوادث لما تقرر من أنها عالمة بذواتها، و أن العلم بالعلل و الأسباب يوجب العلم بالمعلولات و المسببات. غاية الأمر أن علم العقول بالحوادث لا يكون إلا على وجه كلي خال من قيد الهذية و خصوص الوقتية، و الكاملون قد يدركونها على الوجه الجزئي، إما بجعلها جزئية بمعونة الحواس الباطنة على ما قررها الحكماء، و إما لارتسامها في النفوس السماوية، كذلك على ما يراه بعضهم، و معنى اتصال النفس بالمبادئ العالية صيرورتها مستعدة لفيضان العلوم عليها بحصول القوى لها و زوال المانع، أعني الشواغل الحسية عنها، بمنزلة مرآة مجلوة تحاذي شطر الشمس، و لا يلزم من ذلك انتقاشها بجميع ما في المبادي من الصور، لأن لقبول كل صورة استعدادا يخصها.
و الثاني: ظهور حركات و أفعال تعجز عن أمثالها أمثاله، كحدوث رياح و زلازل، و حرق، و غرق، و هلاك أشخاص ظالمة، و خراب مدن فاسدة، و انفجار المياه من الأحجار، بل من الأصابع، و ليس ببعيد، لأن علاقة النفس مع البدن إنما هي بالتدبير و التصرف، لا الحلول [١] و الانطباع، فيجوز أن يكون بعض النفوس
- يخرج الجنس، و العرض العام لأنهما مقولان على حقائق و قولنا قولا عرضيا يخرج النوع و الفصل لأن قولهما على ما تحتهما ذاتي لا عرضي، و خاصة الشيء: ما لا يوجد بدون الشيء و الشيء قد يوجد بدونها مثل الألف و اللام. لا يوجدان بدون الاسم، و الاسم يوجد بدونهما كما في زيد.
[١] الحلول السرياني: عبارة عن اتحاد الجسمين بحيت تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر،-