معالم المدرستين - العسكري، السيد مرتضى - الصفحة ٢٥٠ - مناقشة الاستدلال بما ورد في نهج البلاغة على صحّة الاستدلال بالشورى و البيعة و عمل الأصحاب
يختار، و لا للغائب أن يردّ. و إنّما الشّورى للمهاجرين و الأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسمّوه إماما كان ذلك للّه رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو رغبة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين، و ولاّه اللّه ما تولّى و يصليه جهنّم و ساءت مصيرا. و إنّ طلحة و الزبير بايعاني ثمّ نقضا بيعتي، و كان نقضهما كردّهما، فجاهدتهما على ذلك حتّى جاء الحقّ و ظهر أمر اللّه و هم كارهون. فادخل فيما دخل فيه المسلمون؛ فإنّ أحبّ الأمور إليّ فيك العافية، إلاّ أن تتعرّض للبلاء. فإن تعرّضت له قاتلتك و استعنت اللّه عليك. و قد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، ثم حاكم القوم إليّ أحملك و إيّاهم على كتاب اللّه. فأمّا تلك الّتي تريدها فخدعة الصبيّ عن اللّبن. و لعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ قريش من دم عثمان. و اعلم أنّك من الطّلقاء [٢٦] الّذين لا تحلّ لهم الخلافة، و لا تعرض فيهم الشّورى. و قد أرسلت إليك و إلى من قبلك جرير بن عبد اللّه، و هو من أهل الإيمان و الهجرة: فبايع. و لا قوة إلاّ باللّه [٢٧] .
اتّضح لنا من هذا الكتاب أنّ الإمام عليّا يحتجّ على معاوية بما التزم به هو و نظراؤه و يقول له: إنّ بيعتي بالمدينة لزمتك يا معاوية و أنت بالشام كما التزمت ببيعة عثمان بالمدينة و أنت بالشّام، و كذلك لزمت بيعتي نظراءك خارج المدينة كما لزمتهم بيعة عمر في المدينة و هم في أماكن أخرى.
هكذا يلزمه الإمام عليّ بكلّ ما التزمه هو و نظراؤه من مدرسة الخلافة يوم ذاك، و هذا وارد لدى العقلاء، فإنّهم يحتجّون على الخصم بما التزمه هو.
هذا أوّلا.
[٢٦] الطلقاء: جمع طليق، و هو الأسير الّذي أطلق عنه إساره و خلي سبيله. و يراد بهم الّذين خلّى عنهم رسول اللّه (ص) يوم فتح مكّه و أطلقهم و لم يسترقهم.
[٢٧] صفين لنصر بن مزاحم ط. القاهرة سنة ١٣٨٢ هـ، ص ٢٩.