مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ٢٧١ - و أمّا الثاني و هو التسوية بين الورودين
و أمّا ما ذكره ابن إدريس، من استمرار الفرق بين الورودين على فتاوى الأصحاب و أُصول المذهب [١]، فتوجّه المنع إليه ظاهر ممّا قلناه، خصوصاً إذا كان المراد دعوى الاتّفاق على ذلك؛ فإنّا لم نجد قائلًا بالفرق ممّن تقدّمه إلّا السيّد المرتضى (رحمه الله)، و هو معترف بأنّه لم يجد في ذلك نصّاً في كلام الأصحاب، و لا قولًا صريحاً. و ما قاله (رحمه الله) أيضاً ليس بصريح في الحكم بالفرق، فإنّه قال: «و يقوى في نفسي عاجلًا إلى أن يقع التأمّل» [٢]. و التقوية ليست صريحة في الفتوى، فكيف إذا علّقت بالتأمّل، و كانت في بادئ النظر، كما اتّفق هنا للسيّد.
و كلام ابن إدريس في المسألة [٣] لا يخلو عن اضطراب؛ فإنّه مع تصحيحه الفرق، و ادّعائه استمراره على الفتاوى و الأُصول، ذكر قبل ذلك ما ينافيه؛ فإنّه قال متّصلًا بكلامه المذكور: «و إن أصابه من الماء الذي يغسل به الإناء، فإن كان من الغسلة الأُولى، يجب غسله، و إن كان من الغسلة الثانية أو الثالثة، لا يجب» [٤].
و لو كان الماء الوارد على النجاسة طاهراً، غير منفعل بها، لاستوت الغسالة في جميع الغسلات؛ فبين كلاميه تدافع.
و الحقّ: أنّه ليس للأصحاب في المسألة حكم قاطع، و لا فتوى ظاهرة، لا في التسوية و لا في الفرق، غير أنّ التسوية هي قضيّة المذهب المستفاد من إطلاقهم القول بنجاسة القليل بالملاقاة، و استثنائهم منه ماء الاستنجاء و ماء المطر حال النزول، و هي لازمة لكلّ من قال بنجاسة الغسالة عند التحقيق.
[١]. سبق ذكره في الصفحة ٢٦٣.
[٢]. المسائل الناصريات: ٧٢، المسألة ٣.
[٣]. «في المسألة» لم ترد في «د».
[٤]. السرائر ١: ١٨٠.