مصابيح الأحكام - السيد بحر العلوم - الصفحة ١٩٨ - ردّ الاستدلال بالأخبار
لا ينجس مطلقاً، فلو كان التفسّخ فيها محمولًا على التغيير، لزم الحكم بطهارة الزائد على الراوية، و إن تغيّر، و ذلك مخالف لإجماع المسلمين كافّة.
و لاستثناء التغيير في الرائحة في قوله (عليه السلام): «إذ كان الماء أكثر من راوية لا ينجّسه شيء، تفسّخ فيه أم لم يتفسّخ، إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء»؛ فإنّه صريح في أنّ التغيير غير مراد من لفظ التفسّخ.
و لقد أبعد الشيخ (رحمه الله) في التهذيب [١] في توجيهه هذه الرواية، حيث حمل الراوية فيها على ما كان قدر الكرّ، و خصّ النهي عن الوضوء و الشرب بما إذا تغيّر الماء. و يتوجّه عليه مع ما تقدّم، أنّه لو كان المراد من الراوية مقدار الكرّ، لم يكن بينها و بين ما زاد عليها فرق في الحكم، مع أنّ الرواية صريحة في الفرق بينهما.
و أقصى ما يمكن أن يقال في توجيهه: أنّ تفسّخ الميتة فيما كان بقدر الكرّ يقتضي تغيّر جزء منه، فينجس ذلك بالتغيير و الباقي بالملاقاة؛ لكونه أقلّ من الكرّ، فلا يعصم نفسه عن الانفعال، بخلاف ما كان أكثر من الكرّ، فإنّه يختصّ المتغيّر منه بالتنجيس لو كان الباقي كرّاً.
و منه يعلم الفرق بين الراوية و ما زاد عليها، حيث حكم في الراوية بالنجاسة على تقدير التفسّخ، و في ما زاد عليها بالطهارة، و إن حصل التفسّخ. و أنت خبير بأنّ ذلك- مع ما فيه من التعسّف الظاهر- لا يتأتّى القول به في مثل الجَرّة [٢]، و القِربة [٣]، و ما
[١]. التهذيب ١: ٤٣٧، الزيادات في باب المياه، ذيل الحديث ١٧.
[٢]. الجَرّة: إناء من خزفٍ كالفَخّار. لسان العرب ٢: ٢٤٤، «جرر».
[٣]. القِربة: من الأساقى، الوَطَب من اللبن، و قد تكون للماء، و قيل: هي المخروزة من جانب واحد. لسان العرب ١١: ٨٦، «قرب».