تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٢٣٤ - لباس الفتوّة
قال ابن أبي الحديد في أمير المؤمنين علي عليه السّلام: ما أقول في رجل أحبّ كلّ واحد أن يتكثّر به، و ودّ كلّ أحد أن يتجمّل و يتحسّن بالانتساب إليه، حتى الفتوّة التى أحسن ما قيل في حدّها: ألاّ تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك، فإنّ أربابها نسبوا أنفسهم إليه، و صنّفوا في ذلك كتبا، و جعلوا لذلك إسنادا أنهوه إليه، و قصروه عليه و سمّوه سيّد الفتيان، و عضدوا مذهبهم إليه بالبيت المشهور المروي، أنّه سمع من السماء يوم أحد:
لا سيف إلاّ ذو الفقار # و لا فتى إلاّ علي [١]
و قد توجّه بعض الخلفاء العباسيين و وزرائهم و أمرائهم إلى النجف الأشرف لزيارة المرقد المطهّر، و لبس بعضهم سراويل الفتوّة على يد نقباء المشهد الشريف. و لم يزل هذا التقليد يمارس في القرنين السادس و السابع، فالبلاط العباسي في آخر عهده اقترب من التشيّع، و كانت حلقة الوصل في ذلك هو التصوّف و الفتوّة التي كان الخلفاء يتلبّسون بشعائرها بيد نقباء شيعة في مشهد أمير المؤمنين عليه السّلام. و قد يتولّى الخليفة نفسه إلباس غيره من الملوك و الأمراء بلباس الفتوّة، أو يرسله إليهم في إماراتهم.
قال السيّد ابن طاووس: فأول من زار مرقد أمير المؤمنين عليه السّلام الرشيد و جماعة من بني هاشم، ثمّ المقتفي، ثمّ الناصر مرارا و أطلق عنده صدقات و مبارا، ثمّ المستنصر و جعله شيخه في الفتوّة، ثمّ المعتصم. [٢]
و قال ابن الطقطقي: كان الناصر من أفاضل الخلفاء و أعيانهم، بصيرا بالأمور مجرّبا سائسا مهيبا مقداما عارفا شجاعا. و كان يرى رأي الإمامية... و صنّف كتبا و سمع الحديث النبوي صلوات اللّه على صاحبه و أسمعه، و لبس لباس الفتوّة و ألبسه. [٣]
[١] شرح نهج البلاغة: ١/٢٩.
[٢] إقبال الأعمال: ٢/٢٧٠.
[٣] الكنى و الألقاب: ٣/٢٣٣.