تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥١٣ - تاريخ وقايعها و سقوطها
بطيزناباذ كرم ما مررت به # إلاّ تعجّبت ممّن يشرب الماء
إنّ الشراب إذا ما كان من عنب # داء و أيّ لبيب يشرب الداء
فهتف بي هاتف أسمع صوته و لا أراه، فقال:
و في الجحيم حميم ما تجرّعه # خلق فأبقى له في البطن أمعاء [١]
تاريخ وقايعها و سقوطها
لم نقع على تاريخ بناء هذه المدينة، و لكن يمكننا أن نقول: إنّ التواريخ أثبتت أنّ سابور ذا الأكتاف [٢] قتل الضيزن ما بين سنة ٣٢٦ و ٣٢٨ بعد الميلاد، فإذا فرضنا أنّها تأسّست قبل هذه الحادثة بأقلّ من نصف قرن فتكون قد بنيت قبل ستة عشر قرنا، و كانت طيزناباذ في ذلك العهد إحدى المدن الفخيمة الجليلة القدر و ما زالت كذلك حتى الفتح الإسلامي، و كان الفرس قد عرفوا حسن موقعها الحربي و السياسي، و لهذا اتّخذها رستم قائد الفرس الكبير في حرب القادسية مباءة لعسكره، و لمّا اندحر الفرس في تلك الحرب، و تشتّت شملهم و سقطت بأيدي المسلمين سنة ١٥ هـ-٦٣٦ م مع ما سقط من مدن الفرس و حواضرهم أخذت منذ ذلك الحين تسير نحو التأخّر. و في زمان خلافة عثمان بن عفان اقطعت الأشعث بن قيس الكندي، و كان لمحمد بن الأشعث فيها قصر فخيم على عهد الدولة الأموية، و بقيت كذلك و هي تقارع الدهر و الدهر يقارعها، تارة تغلبه و أخرى يغلبها، حتى أدركت في أواخر عمرها أوائل الدولة العباسية، فتوالت عليها المصائب في أواسط الدولة العباسية، و ما زالت في نزاع و احتضار حتى فاضت نفسها و أصبحت أثرا بعد عين في القرن الرابع للهجرة، فعبثت يد الزمان برسومها و لم يبق منها اليوم إلاّ تلك الأطلال الدارسة و الآثار الطامسة التي أشرنا إليها في النبذة السابقة، و مع ذلك فإنّ تلك الأنقاض تنطبق بما كان لها في العهد العهيد من الشأن الخطير و العمران الذي ليس له نظير. [٣]
[١] لاحظ: معجم البلدان: ٤/٥٥.
[٢] هو سابور الجنود بن أردشير، و ليس بذي الأكتاف، كما أشرنا لذلك آنفا فلاحظ.
[٣] مجلة لغة العرب: الجزء ٩، السنة ٢، ص ٣٧٦-٣٨١.