تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ١٢٠ - مراحل تطوّر الأدب في النجف
في فهم النصوص يتطلّب فهما أدبيّا عاليا، و الرواية التي يرويها الثقاة من أصحاب الإمام الصادق و الباقر عليهما السّلام لا تتبيّن كما هي و لا يعرف القصد منها بجلاء إلاّ من أوتي موهبة الأدب، و الخاطرة الدينية لا تصل إلى الذهن إلاّ بواسطة الأدب، فترى الجميع اتّجهوا بهذا الدافع لحراسة هذا الفن القيّم و أخذوا يسعون لإحيائه و نشره بشتّى الصور و بمختلف الأساليب. فشعر هولاء النفر و كلّ منهم يشار إليه إلى ضرورة إسعاف الأدب العربي الذي أنهكته السلطة التركية بسياسة التتريك من جهة، و بعض مؤلّفات غير العرب من جهة أخرى، حتى أصبحت لغة التأليف يابسة إلى حد فقدت روح الفصاحة و البلاغة، و أماتت المرن من القول و انتشر التفاخر بين طبقات الفقهاء بالمعقّد من الأسلوب و المفكّك من الجمل، و دخلوا في تنازع حول كشف المعنى من اللفظ، و عود الضمير على أي جملة تكون من الموضوع حتى لو كان البعد بينهما إلى صفحة كاملة فلا مانع من عود الضمير عليها، و من الأمثلة على ذلك كتاب"شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام"للمولى عبد الرزّاق اللاهيجي المتوفى سنة ١٠٥١ هـ، و كتاب"الضوابط"في الأصول، للسيّد إبراهيم بن السيّد محمد باقر القزويني الحائري المتوفى سنة ١٢٦٤ هـ، و كتاب"القوانين"في الأصول، للميرزا أبو القاسم ابن محمد حسين القمّي المتوفى سنة ١٢٣١ هـ، و آخرها كتاب"الكفاية"في علم الأصول، للشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني المتوفى سنة ١٣٢٩ هـ، و التي تعدّ نتيجة واضحة لتلك المقدّمات.
بهذا العامل و نحوه حبّذ فريق من الفقهاء و أعلام الدين اعتناق الأدب و الإعلان عنه بتكريس وقت خاص له يتساجلون فيه و يتطارحون، و بهذا نشأت المعركة الأدبية الكبيرة المسمّاة بمعركة الخميس-كما ستأتي-فكانت نواة و بداية للنهضة الأدبية في النجف بل و العراق عامة. و قد اتّصلت هذه الحركة في نهايتها بالنهضة الأدبية أبان العهد الوطني، و لا يخفى ما بين الدورين من فروق و تفاوت في التفكير و الذوق