تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٥٦٣ - خالد القسري و أعرابي
قصدت خالد بن عبد اللّه متعرّضا لمعروفه. قال: فهل تعرفه؟. قال: لا. قال: فهل بينك و بينه قرابة؟. قال: لا، و لكن لمّا بلغني من بذله المعروف، و قد قلت فيه شعرا أتقرّب به إليه. قال خالد: فأنشدني ما قلت، فأنشأ يقول:
إليك ابن كرز الخير أقبلت راغبا # لتجبر منّي ما و هى و تبدّدا
إلى الماجد البهلول ذي الحلم و الندى # و أكرم خلق اللّه فرعا و محتدا
إذا ما أناس قصّروا بفعالهم # نهضت فلم تلق هنالك مقعدا
فيا لك بحرا يغمر الناس موجه # إذا يسأل المعروف جاش و أزبدا
بلوت ابن عبد اللّه في كلّ موطن # فألفيت خير الناس نفسا و أمجدا
فلو كان في الدنيا من الناس خالد # لجود بمعروف لكنت مخلّدا
فلا تحرمنّي منك ما قد رجوته # فيصبح وجهي كالح اللون أربدا
فحفظ خالد الشعر، و قال له: انطلق صنع اللّه لك. فلمّا كان من غد دخل الناس إلى خالد و استوى السماطان بين يديه تقدّم الأعرابي و هو يقول: إليك ابن كرز الخير أقبلت راغبا. فأشار إليه خالد بيده أن اسكت، ثمّ أنشد خالد بقية الشعر و قال له: يا أعرابي قد قيل هذا الشعر قبل قولك، فتحيّر الأعرابي و ورد عليه ما أدهشه، و قال: تاللّه ما رأيت كاليوم سببا لخيبة و حرمان فانصرف. فأتبعه خالد برسول ليسمع ما يقول، فسمعه الرسول يقول:
ألا في سبيل اللّه ما كنت أرتجي # لديه و ما لاقيت من نكد الجهد
دخلت على بحر يجود بماله # و يعطي كثير المال في طلب الحمد
فحالفني الجد المشوم لشقوتي # و قاربني نحسي و فارقني سعدي
فلو كان لي رزق لديه لنلته # و لكنّه أمر من الواحد الفرد
فقال له الرسول: أجب الأمير، فلمّا انتهى إلى خالد، قال له: كيف قلت؟. فأنشده، ثمّ استعاده فأعاده ثلاثا إعجابا منه به، ثمّ أمر له بعشرة آلاف درهم. [١]
[١] تاريخ مدينة دمشق: ١٦/١٥٤.