تاريخ النجف الأشرف - عبد الزراق حرز الدين - الصفحة ٤٩ - أ/النجف قبل ظهور المرقد المطهّر
قال: أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا النجف بمتاع الهند و الصين و أمواج البحر تضرب ما تحت قدمك، و رأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تزوّد إلاّ رغيفا، فلا تزال في قرى عامرة و عمائر متّصلة و أشجار مثمرة و مياه عذبة حتى ترد الشام، و تراها اليوم قد أصبحت يبابا، و كذلك دأب اللّه تعالى في العباد و البلاد. [١]
أمّا بعد تمصير الكوفة سنة ١٧ هـ و في خلافة أمير المؤمنين علي عليه السّلام، فالمنطقة مأهولة بالأعراب ترعى فيها أنعامها، و كان هناك من يسكن على ساحل بحر النجف.
و روى ابن حزم، عن أبي راشد السلماني، قال: كنت في منايح [٢] لأهلي بظهر الكوفة أرعاها فتردّى بعير منها فنحرته من قبل شاكلته، فأتيت عليّا فأخبرته، فقال:
"إهد لي عجزة". [٣]
و أخرج نصر بن مزاحم المنقري، عن عمر بن سعد، قال: حدّثني سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن علي أمير المؤمنين عليه السّلام قال: "ما يقول الناس في هذا القبر"؟، و في النخيلة قبر عظيم يدفن اليهود موتاهم حوله. فقال الحسن بن علي عليه السّلام: يقولون هذا قبر هود النبي صلّى اللّه عليه و آله لمّا أن عصاه قومه جاء فمات ها هنا. قال عليه السّلام: "كذبوا لأنا أعلم به منهم، هذا قبر يهودا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، بكر يعقوب"، ثمّ قال:
"ههنا أحد من مهرة" [٤] ؟. قال: فأتي بشيخ كبير، فقال له: "أين منزلك"؟. قال: على شاطيء البحر، قال: "أين أنت من الجبل الأحمر"؟. قال: أنا قريب منه. قال: "فما يقول قومك فيه"؟. قال: يقولون قبر ساحر، قال: "كذبوا ذاك قبر هود عليه السّلام، و هذا قبر يهودا بن يعقوب بكره". [٥]
[١] الروض المعطار في خبر الأقطار: ٢٠٩.
[٢] جمع منيحة، و هي منحة اللبن، كالناقة و الشاة تعطيها غيرك يحتلبها ثم يردّها عليك. (الصحاح: مادة"منح")
[٣] المحلّى: ٧/٤٤٧.
[٤] مهرة، بالفتح، ابن حيدان بن عمران بن الحاف بن قضاعة، و هم حيّ من اليمن.
[٥] وقعة صفين: ١٢٦.